الصفحة 26 من 32

لا نستطيع أن نركن إلى التوراة الحالية لما طرأ عليها من إضافات وحذف عبر القرون. ولكنّ الدارس يلاحظ أنّ مفهوم السبت عند اليهود يتعلق بيوم السبت الذي هو اليوم السابع من الأسبوع، ثم هو يتعلق بالسنة السابعة، التي يجب أن تكون السنة التي لا تزرع فيها أرض فلسطين، بل تكون راحة للأرض. ويتكرر هذا كل سبع سنين. وبعد سبع سبوتات، أي (49) سنة، تكون السنة أل (50) هي سنة اليوبيل، ولها أحكام فُصّلت في السفر الثالث من أسفار التوراة. ويلحظ الدارس للتوراة أنّ عدم احترام اليهود لهذه الشريعة يكون سببًا لإخراجهم من الأرض المقدسة، وسببًا لتشتيتهم في الأرض. ويبدو أنّ ذلك أدى إلى الربط بين الرقم (7) والزوال والانقطاع. لذا يعتقد اليهود بأنّ دنيا الإنسان تكتمل سنة (6000) عبري، أي أنّه في الألف السابعة يكون الزوال بزعمهم. وبالرجوع إلى القرآن الكريم نلاحظ أنّ السبع مرات التي ذكر فيها السبت تكرر ثلاث منها في السورة السابعة، وهي سورة الأعراف. وآخر ورود لكلمة السبت في القرآن الكريم كان في الآية (124) من سورة النحل والتي هي (128) آية، ثم تأتي سورة الإسراء التي تتحدث عن زوال الإفساد الإسرائيلي من الأرض المقدسة:"إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ".

واضح أنّ جعل السبت كان بعد الاختلاف فيه، وهذا يعني أنّ (جعل) السبت يختلف عن (فرضه) ؛ فاحتيال اليهود لانتهاك حرمة السبت، وذهابهم في هذه الحيل مذاهب شتى، أدى إلى التشديد عليهم في أحكام السبت، فكان السبت من الإصر الذي حملوه نتيجة فسوقهم وعصيانهم وانتهاكهم لحرمات السبت ابتداءً. والمتدبر لسياق الآيات من سورة النحل يلاحظ أنّ هناك شيئًا آخر، ألا وهو حكم الله عليهم بالانقطاع، فلم يعودوا ضمن المسيرة المتصلة لدعاة الخير، ولم يعودوا من قادة الهداية، ولم يعودوا يسيرون تحت لواء التوحيد. فكان اعتداؤهم واحتيالهم، وتفرقهم باتباعهم الأهواء، سببًا في حذفهم من قافلة الخير، فانقطع وجودهم وذكرهم في عالم الصلاح والإصلاح، فلا تجدهم إلا أئمة للفسق وقادة للشر.

وأخيرًا نقول: من يقرأ عجائب صنع اليهود في احتيالهم للقفز عن المقدسات، يدرك أنّ يهود اليوم على استعداد أن يتنكروا لكل مقدس، بشرط أن ينسجم ذلك مع مصالحهم المادية، أي مع عجلهم المقدس المصنوع من الذهب.

جاء في الآية 248 من سورة البقرة:"إنّ آية مُلكِه أن يأتيكم التابوتُ فيه سكينة من ربكم وبقيّة مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة ...".

عندما طلب بنو إسرائيل، قبل عهد داود عليه السلام، أن يجعل الله لهم مَلكًا يجمعهم، ويوحّد كلمتهم، ويقودهم في حربهم لأعدائهم، استجاب الله لهم، وجعل طالوت ملكًا عليهم، وجعل علامة اختياره أن تأتي الملائكةُ بالتابوت، الذي استولى عليه أعداؤهم. وهو صندوق فيه بقية من آثار آل موسى وهارون، عليهما السلام، توارثه الصالحون من بني إسرائيل. وعند عودة التابوت إليهم جعل الله فيه الطمأنينة لنفوسهم، التي بقيت مضطربة لفقده واستيلاء الأعداء عليه.

واضح في النص القرآني الكريم أنّ التابوت له قدسيّة، وعلى وجه الخصوص ما فيه من الآثار المتوارثة من عهد موسى وهارون، عليهما السلام. ونحن نعلم أنّ الله تعالى قد أنزل على موسى، عليه السلام، الألواح، والتي خطّت فيها الوصايا، وقد جاء في سفر الخروج، في التوراة الحالية:"واجعل في التابوت الشهادة التي أعطيكها". والمقصود بالشهادة، ما ورد في سفر الخروج أيضًا:"ولما فرغ من مخاطبة موسى على طور سيناء دفع إليه لَوْحَي الشهادة، لوحين من حجر ...". وقد ورد في سفر صموئيل أنّ أعداء بني إسرائيل قد سيطروا على التابوت هذا لمدة سبعة أشهر.

كلمة التابوت مشتقة من التّوب: وهو الرجوع، لأنه يُرجع إليه تكرارًا لأخذ وإرجاع المُودَعات فيه. وعليه تكون اللفظة عربية، على قول الكثير من أهل اللغة. وقد ذكرت التوراة الحالية أنّ التابوت، المقدس عندهم، صنع من الخشب والذهب بأمر من الله تعالى. ويقولون إنّ طوله يبلغ مترًا وربع المتر، أما عرضه فيبلغ 75 سم، وكذلك ارتفاعه. وورد أنّ بني إسرائيل كانوا يحملون التابوت ويتقدمون به أمام الجيش، فيكون ذلك دافعًا لهم للاستبسال، لثقتهم بالنصر بوجود التابوت. وقد ورد في أخبار الأيام الأول، من العهد القديم، على لسان داود، عليه السلام:".. حتى نُرجع تابوت إلهنا، لأننا أهملنا طلب المشورة بواسطته منذ أيام شاوُل". ويقصدون بشاوُل هنا طالوت المذكور في القرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت