والقيام بالقسط، والسير في سبيل الله قد يترتب عليه موت أو قتل، وهذا في منطق الذين لا يؤمنون مجازفة وخسارة. جاء في سورة آل عمران:"يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيي ويميت، والله بما تعملون بصير". يستفاد من هذه الآية أيضًا أنّ القرآن الكريم يفرّق بين الموت في سبيل الله، والقتل في سبيل الله. جاء في الآية 157 من سورة آل عمران:"ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون". ويظهر مثل هذا الفرق في اعتبار من يُقتل في سبيل الله شهيدًا حيّا. والشهادة اختيار ربّاني، جاء في سورة آل عمران:"ويتخذَ منكم شهداء". والشهيد شاهد بفعله على صدق مبدئه، وعمق إيمانه، وهو شاهد على تقاعس المتقاعسين، ثم هو يوم القيامة من الشهداء الذين يشهدون على الناس. ولا يصح في إيمان المؤمن أن يظنّ أنّ الشهيد ميت، ولا يجوز لنا أن نتفوّه بذلك، بل نحكم له بالحياة عند ربّه، لأننا ملزمون بالأخذ بما يظهر لنا من حاله.
من اللافت للانتباه أنّ كلمة شهيد هي من الكلمات التي لا مرادف لها في اللغة العربية، وهي من الألفاظ الإسلامية التي يستخدمها حتى غير المسلمين، وغير الموقنين، إذا أرادوا تكريم قتلاهم، أو حتى موتاهم. وفي الوقت الذي استبدل فيه هؤلاء مصطلح الجهاد، مثلًا، فقالوا: كفاح، ونضال، و قتال، ... فإننا نجدهم يحرصون على استخدام مصطلح شهيد. وقد يَشهَد هذا الموقف بحقيقة ما تُكِنّ صدورهم من شكّ وتردد تجاه عقائدهم، وما تستشعره عقولهم وقلوبهم من جلال الإسلام وأحقّيته.
الوكيل: هو الموكول إليه، والمفوض إليه الأمر. وعليه فلا وكيل على الحقيقة إلا الله تعالى. وهو سبحانه سبب الأسباب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. ومعلوم أنّ التوكل هو من أفعال القلوب؛ فهو إيمان وتصديق، ثم هو توجه ورغبة، وهو قوة عظيمة تشحن الإرادات، كيف لا وهو الركون إلى ركن شديد؟! وما من إنسان إلا ويرغب في وكيل. وما عالم الحسرة، والوهن، والإحباط، وسوء الظن، وما إلى ذلك من أمراض القلوب والإرادات، إلا من نتائج التوكل على غير الله، من المخلوقات الضعيفة، والكائنات المحتاجة.
تُستهل سورة الإسراء بآية تتحدث عن حادثة الإسراء بالرسول، عليه السلام، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. ويدهشك أنّ الآيات التي تلي تتحدث عن إفسادين لليهود في الأرض المباركة. والذي يهمنا، في هذه العُجالة، الوصية التي أنزلها الله تعالى في التوراة، ثم أنزلها في الآية الثانية من سورة الإسراء:"وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل، ألا تتخذوا من دوني وكيلا ..". فلماذا هذه الوصية المشددة والمكررة؟! وما علاقتها بالإفساد اليهودي في الأرض المقدسة؟! والواضح من نصّها الكريم أنها وصية وتحذير:"ألا تتخذوا من دوني وكيلا ..". وقد يكون من أسرارها أنّ النهايات المفجعة للمجتمعات اليهودية ترجع إلى اعتماد هؤلاء اليهود على وكلاء من عالم الشهادة، وهذا مؤشر على ضعف الإيمان بالله تعالى، وهو دليل أيضا على شدة تعلق هؤلاء بعالم المادة وبالأسباب الأرضية.
إسرائيل شاحاك من الكتاب اليهود الذين يُلفتون انتباهك في قربهم النسبي من الموضوعيّة، وهو من القلة التي انتقدت العنصرية الصهيونية، وكشفت حقيقة الكيان الإسرائيلي في فلسطين. وهو يرى أنّ المذابح، التي تعرّض لها اليهود في المجتمعات الغربية، ترجع في الأساس إلى التحالفات التي كان يقيمها اليهود مع القوى المتنفّذة والظالمة. والعجيب أنّ هذا الخطأ يتكرر وكأنه قانون في حياة اليهود، على الرُّغم من أنّ النتائج كانت دائما مفجعة، وعلى وجه الخصوص عندما تَنقضّ الشعوب على جلاديها. والأعجب من هذا أنّ اليهود لم يستخلصوا العبر، وما زالوا يؤمنون بإمكانية الركون والتوكل على القوى البشرية والماديّة، حتى باتت المادة، وبات رأس المال، المعبود الذي يتوكلون عليه.