الصفحة 13 من 32

يقول سبحانه وتعالى في سورة البقرة:"يا بني إسرائيل اذكروا نعمتيَ التي أنعمتُ عليكم، وأنّي فضلتكم على العالمين". هذه الآية الكريمة هي من الآيات التي أنّبت اليهود، لنكرانهم النعمة، وعدم شكرهم لله، الذي فضلهم، أي زادهم في العطاء الدنيوي بالإضافة إلى الكتاب والفرقان. وتُعدّد الآيات التي جاءت بعد هذه الآية، من سورة البقرة، النّعم التي كانت لبني إسرائيل ولم تكن لغيرهم من الأمم، فاستحقوا بكفرهم هذه النعمة أن تضرب عليهم الذلة والمسكنة، وأن يبوءوا بغضب من الله، بل:"وإذ تأذّنَ ربك ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومُهم سوءَ العذاب". بهذا تتضح بعض أسرار الغضب الربّانيّ النازل باليهود:"غير المغضوب عليهم"؛ فقد كانت خيانتهم كبيرة. لاحظ بعض هذه النعم التي ذكرت وعُدّدت بعد قوله تعالى:"يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ...":"وإذ نجيناكم من آل فرعون ..."،"وإذ فرقنا بكم البحر .."،"وإذ واعدنا موسى .."،".. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون"،"وظللنا عليكم الغمام، وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى"،"وإذ قلنا ادخلوا هذه القريةَ فكلوا منها حيث شئتم رغدا .."،"وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب .."،"وإذ قلتم يا موسى لن نصبرَ على طعام واحد ..". نعم، هذه النّعم، وغيرها مما ذكر في سورة البقرة وسور أخرى، لم تحصل لأمّة من الأمم، ولو حصلت لغيرهم لكانت من دواعي الشكر والطاعة، ولكنّهم كفروا النعمة، وتمادوا في غيّهم وتنكروا لفضل الخالق سبحانه؛ فكان الحكم العادل، هو ما نصّت عليه الآيات التي ختمت الحديث عن هذه النّعم:"وضربت عليهم الذلّة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ..". وهذا ليس لهم فقط، بل لكل خائن لا تزيده النعم إلا ضلالا.

وأخيرًا نقول: إذا كانت الآية الكريمة هي من أشدّ الآيات ذمًّا لليهود، ولخيانتهم، فكيف فهمها البعض على أنها آية مدح؟! ولماذا ذهب البعض في تأويلها المذاهب، على الرغم من أنّ صيغتها هي صيغة تقريع؟! يبدو أنّ السبب في ذلك يرجع إلى الخلط بين مفهوم الخيريّة ومفهوم الأفضليّة.

... الشهيد: اسم من أسماء الله الحسنى، فعلم الله تعالى يحيط بكل شيء، فهو، سبحانه وتعالى، عالم الغيب والشهادة. جاء في سورة الرعد:"قل كفى بالله شهيدًًا"وقد كرّم اللهُ بعض خلقه فجعلهم شهداء على النّاس، جاء في سورة النساء:"فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا". فالأنبياء شهداء على أقوامهم، والرسول، عليه السّلام، شهيد على الأمّة الآخرة، والأمّة الإسلامية شاهدة وشهيدة على باقي الأمم حتى تقوم السّاعة. جاء في سورة البقرة:"وكذلك جعلناكم أمّةً وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا".

وحتى تكون الأمّة شهيدة على الناس، لا بد أن تكون ممثلة لحقيقة الإسلام في إيمانها، وسلوكها، ولا بد أن تحيط بالواقع من حولها، وتكون قادرة على تقييم هذا الواقع، والحكم عليه، على ضوء مقاييس الإسلام. ويكتمل معنى الشهادة في الأمّة عندما تقدّم البدائل للواقع السلبي، وبذلك تكون شهيدة في الدنيا، وهذا يؤهلها لأن تكون في مقام الشهادة يوم القيامة، أي في مقام التكريم. جاء في سورة النساء:"ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا". وجاء في سورة الزمر:"وجيء بالنبيين والشهداء ..".

إنّ الشهداء في الآخرة هم الشهداء في الدنيا، فهم الذين يعملون على إقامة العدل، على أساس من شرع الله. جاء في سورة المائدة:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط". وجاء في سورة النساء:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله". ومعلوم من النص القرآني الحكيم أنّ الله تعالى قد أرسل الرسل وأنزل الكتب من أجل أن يقوم الناسُ بالعدل، جاء في سورة الحديد:"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناسُ بالقسط". وللقيام بالعدل، ولإقامة العدل، لا يكفي قوة الفكرة وتماسكها، وسمّوها، بل لا بد من القوة التي تحق الحق، أي تجعله واقعًا راسخًا في الأرض. انظر تتمة الآية من سورة الحديد:"وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت