الصفحة 18 من 32

عندما نزل قوله تعالى:"سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ..."كانت مراكز القوى تتمثل في بلاد فارس، وبلاد الرومان. ولا شك أنّ مسجد بيت المقدس كان أقرب إلى بلاد الرومان من المسجد الحرام، إلا أنّ القرآن اعتبره المسجد الأقصى، وفي ذلك إشارة إلى أنّ مكة المكرّمة هي المقياس المرجع، الذي يجب أن نقيس عليه، وأن نرجع عند القياس إليه. ومعلوم أنّ المساجد التي تشدّ إليها الرحال في الدين الإسلامي هي: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي، الذي يقع بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى. وقد ذكر بعض العلماء أنّ تسمية مسجد بيت المقدس بالمسجد الأقصى فيه إشارة إلى أنّ المسجد النبوي سيُبنى، على اعتبار أنّ ذكر الأقصى يُشير إلى القصيّ، كما تشير كلمة الأبعد إلى البعيد. أي أنّ هذه التسمية الربّانيّة تتضمن خبرًا غيبيًا.

إذا فُهم هذا سيكون من السهل علينا أن نفهم عبارة:"أدنى الأرض"في قوله تعالى من سورة الروم:"غُلبت الرومُ في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين ..."؛ فقد كانت هزيمة الروم في أدنى الأرض، هذا بالنسبة إلى جزيرة العرب؛ حيث كانت بلاد الروم مترامية الأطراف شاسعة المساحات، إلا أنّ هزيمتها المشار إليها كانت في بلاد الشام، أي في أدنى الأراضي التي يسيطر عليها الرومان بالنسبة إلى جزيرة العرب. بهذا يتّضح أنّ القرآن الكريم يجعل من مكة، وما يحيط بها من جزيرة العرب، المكان الذي يرجع إليه، أي هو المكان الذي يجب أن تكون له المركزية في فكر المسلم، وضميره، وحِسِّه، وواقعه، ومصطلحاته. وعلى أية حال لا يكون هذا واقعًا حتى تتغير أمور كثيرة. والمراقب للتطورات الفكرية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي يلاحظ المؤشرات الكثيرة التي تُعلن عن عودة الأمّة إلى ذاتها وحضارتها.

في المقال السابق تناولنا بعض أسرار اسم الأقصى، وما نهدف إليه في هذا المقال أن نلقي الأضواء على مساحة المسجد الأقصى، والذي دفعنا إلى هذا ما يتردد تصحيحًا لأوهام النّاس، بأن الأقصى هو البناء الجنوبي، وليس قبة الصّخرة. وهذا الأسلوب في تصحيح الخطأ يوقع الناس في بلبلة واضطراب، إضافة إلى أنّه يجافي الحقيقة، لأن المسجد الأقصى هو تلك المساحة التي تقارب ال (144) دونما، وهي المساحة المحاطة بحلقة من الأبنية، والتي تشكّل مع السّور حدود المسجد الأقصى. وتشمل هذه المساحة، كما هو معروف، بناء قبة الصّخرة، والبناء الجنوبي، المسمّى بالأقصى. وأية مساحة تضاف مستقبلًا تأخذ حكم المسجد الأقصى.

ومعلوم في التاريخ الإسلامي أنّ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، هو أول من أنشأ بناءً في القسم الجنوبي من الأقصى. أمّا لماذا في أقصى الجنوب، فهذا واضح، لأنّ القبلة هي في الاتجاه الجنوبي من فلسطين، ومعلوم أنّ الإمام يقف في مقدمة المسجد ثم تكون الصفوف من خلفه متكاملة نحو الشمال. وعليه لا لا بد من أن يكون محراب الإمام في أقصى الجنوب، وغير هذا يعني إلغاء جزء من مسجِديّة المسجد. من هنا وجدنا العامّة تسمي البناء الجنوبي بالأقصى، مع علم الجميع بأنّ اسم الأقصى يطلق على الكل، ولا إشكال في إطلاق الاسم على الجزء. وعليه تكون قبة الصّخرة جزءًا لا يتجزأ من الأقصى، وهذا معلوم بداهة. ولكن قد يتوهم من لم يعش في فلسطين أنّ الأقصى ينحصر في قبة الصّخرة، وقد يتوهم آخرون بأن الأقصى ينحصر في البناء الجنوبي.

ولكن هل هناك خصوصية لصخرة بيت المقدس تجعلها متميّزة دينيًا على باقي أرجاء المسجد الأقصى؟

لقد نُسجت حول الصّخرة الأساطير الكثيرة، روجها بعض العلماء قبل أنّ يروجها العامّة. وقد ساعد عدم وجود أحاديث صحيحة حول خصوصية الصّخرة في ذهاب الخيال مذاهب كثيرة، بل لقد اتُخذت الصّخرة في عصور الجهل قبلة في الصلاة، وطاف بها عوام المسلمين كما يطوفون بالكعبة، وتقرّبوا إليها بأنواع القربات، مما جعل العلماء المحققين يجهرون بأنّه لم يصح شيء عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة الكرام، يدل على خصوصية الصّخرة، وبالتالي يحرم شرعًا أن تُخَصّ بطواف أو ذبح، ويحرم تعمّد اتخاذها قبلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت