الصفحة 17 من 32

لقد نجحت الحملات الصليبية في احتلال مساحات شاسعة من العالم العربي والإسلامي، وكانت فلسطين هي الهدف المركزي لهذه الحملات، وعندما حُسم الصراع على أرضها المباركة، رجع الصليبيون الى بلادهم وقد تأثروا تأثرًا بالغًا بفكر وأخلاقيات الشرق الاسلامي. وكانت هزيمتهم من اهم المقدمات للنهضة الغربية في كافة المجالات. وكان لهذه التجربة الأثر الكبير في انسياح الأوروبيين غربًا مما أدّى الى اكتشاف الأمريكيتين. وإذا كانت حطين هي نقطة تحوّل هامّة في تاريخ المسلمين والأوروبيين، فإن عين جالوت كانت المنعطف الحاد الذي نقل المغول من أمّة مفسدة، وسافكة للدماء، إلى أمّة متحضّرة، تقيم العدل على أساس من الدين الاسلامي الحنيف.

لا نستطيع أن نتخيل صورة العالم لو نجحت حملة نابليون في الشرق العربي، ومعلوم أنّ هزيمته في فلسطين هي التي قضت تمامًا على طموحه في السيطرة على الشرق الإسلامي، بل وقوّضت سيطرته في أوروبا، وقلبت موازين القوى في حينه. واليوم شكّل الاحتلال الصهيوني لفلسطين تحديًا كبيرًا للعرب والمسلمين، ولا يزال هذا التحدي يشكل استفزازًا لوعي الشعوب في المنطقة؛ فالإخفاقات قد تسبب إحباطًا مؤقتًا ولكنها تسرّع في الوعي، وتسقط الكثير من الأصنام والوثنيّات، وتدفع بقوة نحو العودة إلى الذات الحضارية الواعيّة.

لقد شكلت القضيّة الفلسطينيّة حاجزًا صلبًا حمى وحفظ شعوب المنطقة من الذوبان في الحضارة الغربيّة. وقد وقع ذلك في الوقت الذي كان فيه الإنسان في العالم العربي والإسلامي يعاني من الأمية والتخلف؛ فعندما شعرت الشعوب العربية والإسلامية بعداوة الغرب الشرسة، وعندما رأت هذا الغرب يبذل المال والسلاح والخبرات ليقيم الكيان الصهيوني على تراب الأرض المباركة، أدركت أنّه العدو التاريخي، وأنّه النقيض الحضاري، فأصبح الإنتماء إلى الذات الحضاريّة يقود بالضرورة إلى رفض التغريب. إنّ الإخفاق في حل المسألة الفلسطينيّة يعني أنّ الأمّة لم تصل بعد إلى طور العالميّة. وفي الوقت الذي نستطيع فيه أن نحل هذه المسألة حلًا عادلًا نكون قد أصبحنا في المستوى اللائق بحمل رسالة الاسلام للعالم. وإذا تكلمنا بمنطق من يدرس التاريخ، ويراقب الواقع، ويرصد التحولات، فلن نتردد لحظة في القول بأنّ حل المسألة الفلسطينيّة هو مسألة وقت. وتاريخ الأرض المباركة يشهد بذلك. ولسنا بحاجة إلى الإصغاء إلى المحبطين، لأنّهم حالة مرضيّة، وعقيدة وثنيّة، وبمثل هؤلاء لا يزداد الناس إلا سقوطًا.

لو سألت الياباني: أين تقع أمريكا بالنسبة لليابان؟ يغلب أن يكون الجواب: هي في الغرب. وخطأ هذه الإجابة واضح، لان أمريكا تقع شرق اليابان، لذا يسافر الياباني شرقًا ليصل إلى أمريكا، لأن طريق الغرب طويلة جدًا. وعلى الرُّغم من ذلك فانّ الياباني يتعامل على أساس أنّ أمريكا هي غرب، وذلك لأن أمريكا تقع إلى الغرب من خط غرينتش، خط التأريخ الدولي، الذي اصطلح عليه عندما كانت بريطانيا دولة عظمى، وكان الشرق كله يعاني من التخلف والأميّة، وكانت بريطانيا في مركز القيادة العالمي. واليوم لا زال الغرب هو القائد والمسيطر، ولا يُتوقع أن يُغيّر العالم من اصطلاحات الغرب حتى تتغير موازين القوى، وحتى يتغيّر مركز الثقل على هذه الأرض.

من مقاصد الشريعة الإسلامية أن تتميز الأمة لتكون القدوة للبشرية، ولتتمكن من التأثير، من أجل التغيير الإيجابي، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. ويظهر هذا التميّز في أمور كثيرة، ومنها التميّز في المصطلحات. وقد سادت المصطلحات الإسلاميّة في العصور الذهبيّة للدولة الإسلاميّة وتعدّت حدود هذه الدولة. ولكن في الوقت الذي فقد فيه العالم الإسلامي مركز الصدارة تراجعت مصطلحاته، ولم تعد مستعملة من قبل الآخرين، بل لم يعد العالم الإسلامي يعتز بما لديه من مصطلحات، لأنه أصبح تابعًا ومقلدًا. ويبدو أنّ هذه نتيجة حتمية للتخلف الذي أصاب المسلمين على مدى قرون من الزمن. في المقابل نجد أنّ العودة إلى الذات في العقود الأخيرة أحيت الكثير من المصطلحات، فعاد المسلم يعتز بذاته الحضاريّة بعد أن كان مسلوب الإرادة أمام بريق الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت