الصفحة 19 من 32

بعد كل ما ذكر يبقى السؤال الكبير الذي يحتاج إلى إجابة مقنعة وهو: إذا لم يكن للصخرة خصوصية بالنسبة إلى باقي المسجد، فلماذا أقام عبد الملك بن مروان هذا البناء البديع، المسمّى قبة الصّخرة؟! ومعلوم أنّ عبد الملك بن مروان هو من التابعين الذين عاصروا الصحابة الكرام، وكان من فقهاء المدينة، ومن هنا نجد أنه قد بادر إلى بناء قبة الصّخرة قبل أن يبدأ ببناء الأقصى الجنوبي. وهذا يدل على معرفته بمقام هذه الصّخرة، ووجود البناء يُغني عن كثير من الكلام، كيف لا والكل يجمع على شخوصها لأكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين سنة. فهي الشاهد الماثل في الحس، الذي يُغني عن قيل وقال، كما أغنت الأبنيّة المحددة لساحات المسجد الأقصى عن حاجتنا إلى الأسانيد التي تحدد لنا الأطوال والمساحات، وهذا في علم التاريخ أبلغ من كل الروايات.

لقد دفعت بدع العوام بعض العلماء إلى المبالغة في الرّد، إلى درجة الذهول عن معنى بناء قبة الصّخرة في عصر التابعين المعاصرين للصحابة الكرام، بل إنّ بعض كبار العلماء يذهب به رفضه لبدع العوام إلى أن يقبل الرواية التي زعمت أنّ عبد الملك بن مروان بنى قبة الصّخرة ليصرف الناس عن الكعبة المشرّفة. والغريب أنّهم يقبلون مثل هذه المزاعم من غير أن يطلبوا الدليل على صدق الرواية، وهم يعلمون أنّ أعداء بني أميّة قد أكثروا في ذمّهم، والكذب في حقهم، وللكذب علامات لا تخفى على الباحث.

قال ابن كثير في تفسير الآية 142 من سورة البقرة:"سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها .."."وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أُمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس ... قاله ابن عباس والجمهور". وعليه فإننا نستطيع أن نقدّر بأنّ الصّخرة هي ثاني بيت وضع للناس، ثم اتسعت المساحات من حولها، كما هو في الكعبة أول بيت عَبد فيه الناس رب العالمين. ولنا زيادة على هذا التقدير أدلة قرآنية على أنّ كهف الصّخرة هو كهف أصحاب الكهف، ولعلنا نبسط هذا الأمر في مقام آخر إن شاء الله.

... سورة الروم سورة مكيّة، نزلت قبل الهجرة بأشهر، هي أقل من سنة. وتستهل السورة الكريمة بالإعلان عن هزيمة دولة عظمى، هي دولة الروم:"غُلبت الروم في أدنى الأرض ...". ولم تصرح الآيات باسم دولة الفرس التي غلبت الروم، لأن المهم هنا الحديث عن دولة الروم، حتى ولو كانت هي الطرف الضعيف المهزوم. فالحديث عن الحاضر ينبغي أن يكون من أجل استشراف المستقبل، والمستقبل يكشف عنه قول الحكيم العليم:"وهم من بعد غلبهم سيغلبون". أمّا دولة الفرس فعلم المستقبل يقول إنها دولة ستؤول إلى السقوط، ثم تتلاشى، بعد أن يتحول شعبها إلى الإسلام. وإذا كانت المعارك قد دارت قريبًا من جزيرة العرب:"في أدنى الأرض"، فإن علم المستقبل يقول إنها ستدور مرّة أخرى، في زمن قريب:"في بضع سنين".

... أليس عجيبًا أن يُلفت انتباه القلة المؤمنة المضطهدة في مكة إلى الصراع القائم بين الدول العظمى، وإلى التحولات السريعة في الأحداث؟! أليس عجيبًا أيضًا أن يُشدّ انتباه هذه القلّة، لبضع سنين قادمة، إلى خارج الجزيرة العربيّة، لتراقب وترقب الصراعات الدّولية؟! نعم، ونزداد عجبًا عندما نعلم أنّ هذه القلّة توشك أن تهاجر إلى المدينة المنورة، لتبني دولة ومجتمعًا فاضلًا، لا يلبث أن يحمل رسالة عالميّة، ولا يلبث أن يُسقِط كل هذه القوى المتصارعة، ليؤسس حضارة تدوم وتدوم.

... ما الحكمة وراء هذا التزامن العجيب:"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"؟! فانتصار المسلمين ببدر يزامنه انتصار الروم على الفرس. ألا يوحي هذا بأنّ خارطة الصراع توشك أن تتبدل؟! واللافت أنّ الآيات الكريمة تتجاوز الواقع المؤلم للقلة المؤمنة، والمضطهدة، وتشدّها إلى البعد الغيبي لحركة عالم الشهادة، إلى الأفق البعيد زمانًا ومكانا. وهذا هو ما يليق بعقيدة هذه القلّة، ورسالتها. ولا شك أنّ هذا في حينه لا يفهم من قبل جماهير الوثنيين، الذين يفقدون البعد الغيبي، الذي تنزّلت به الرسالة الإسلامية.

أنت يا من تقرأ هذه السّطور، وتعيش بعد قرون من الحدث، وقد وقرأتَ السيرة النبويّة، قف قليلًا وتدبّر هذه الآية، التي تُختم بها سورة الروم المكيّة:"فاصبر إنّ وعد الله حق، ولا يستخفّنّك الذين لا يوقنون". تدبّر هذه الآية ثمّ انظر واقع الإعلام الرسمي العربي ودوره في إحباط الأمّة، واستمع إلى خطابات الملوك والزعماء وتصريحاتهم. فإن كان بإمكانك أن تصدقهم لحظات، فسوف تشعر بخفة وزنك، وانعدام شعورك بذاتيتك، وعندها لا يحتاج عدوك إلى عاصفة الصحراء، لأنّ النسيم يكفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت