الصفحة 2 من 32

بعد كل ما ذكرناه نخلص إلى نتيجة أنّه لا بد لنا من إعادة النظر في التعامل مع الأسماء القرآنيّة. فهل يجوز لنا أن نعتبرها مجرد أعلام تخلو من المعاني والأسرار، وعلى وجه الخصوص عندما تكون التسميات ربانية المصدر؟! انظر قوله تعالى:"اسمه المسيح عيسى ابن مريم". ثم انظر قوله تعالى:"إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميّا"وانظر قوله تعالى:"فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب". ويعقوب، عليه السلام، هو أيضًا في القرآن الكريم إسرائيل، كما أنّ يونس، عليه السلام، هو أيضًا ذو النون، وإدريس، عليه السلام، فيما يرجحه بعض المفسرين هو إلياس، ومحمد، عليه السلام، هو أحمد.

هذه الأسماء وغيرها هي كنوز وأسرار، ونحن نهدف، بمثل هذا المقال، إلى لفت الانتباه إليها، لتصبح في دائرة اهتمام الدارسين، لأننا وجدنا أنّ الكثير من أسرار هذه الأسماء تتجلّى عند التحقق والمتابعة. ولا بأس بالرجوع إلى اللغات السّاميّة، بعيدًا عن علماء التوراة والكتاب المقدس، الذين يُطوّعون اللغة لتوافق تصوّرات كَتبة أسفار العهد القديم، حتى عندما يجمح بهم خيال الأسطورة.

سورة

... القرآن الكريم هو المعجزة الدالة على صدق رسالة الرسول، صلى الله عليه وسلّم، وعلى وجه الخصوص في إعجازه البياني. وقد تحدى القرآن العرب أن يأتوا بسورة من مثله، ولم يتحدّهم بما هو أقل من سورة. والسُّورة كلٌّ متكامل وتشتمل على ألوان من العلوم والمعارف والتشريعات والآداب ... وغير ذلك. واللافت للانتباه أنّ كلمة سورة لم تُذكر في أول خمسين سورة نُزّلت على الرسول، عليه السلام؛ فقد جاء التحدي بعشر سور في سورة هود، والتي هي السّورة 52 في ترتيب النزول. أمّا التحدي بسورة واحدة فقد جاء في سورة يونس، والتي هي السورة 51 في ترتيب النزول. وهذا يعني أنّ العرب، في زمن الوحي، قد أَلِفَت معنى قرآن قبل أن تألف معنى سورة. وهناك الكثير من السُّور القصار التي نزلت قبل أن يُسَمِّي القرآن الكريم كل قطعة متكاملة باسم سورة. ويجدر أن نلفت الانتباه هنا إلى أنّ ما يقال في ترتيب نزول السور هو من الأمور الاجتهاديّة المحتملة التي يصعب إثباتها، على خلاف ترتيب المصحف، فإنه ترتيب توقيفي، أي بفعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، وحيًا.

السُّورة: مشتقّة من السُّور. ومعلوم أنّ السُّور في القديم كان يحيط بالمدينة، ثم هو يرتفع كثيرًا بغرض الحماية والحفظ. وقد يكون معنى الارتفاع في السور ولّد في اللغة بعض معاني سورة، والتي منها الدرجة الرفيعة والمنزلة العالية. يقول النابغة الذبياني في البيت المشهور:

ألم ترَ أنّ الله أعطاك سورةً ترى كلّ مَلك دونها يتذبذبُ

ومعلوم أنّ بناء السُّور يتم دورة فوقها أخرى، حتى يكتمل. ولا يبعد أن تكون السُّورة هي كل دورة من هذه الدورات. ويُرَجِّح هذا أنّ بعض علماء اللغة قال إنّ سورة تُجمع على سُوَر، وكذلك سُوْر. وعليه فإن اسم سورة يتضمن معنى الإحاطة، ومعنى السُّمو والرفعة. ومعنى الإحاطة يتضمن الاشتمال، والتمييز وتحديد المعالم؛ فالسُّور يشتمل على المدينة وما فيها، ثم هو يحدد معالمها ويميزها عما سواها. واللافت للانتباه أنّ الآية الكريمة التي تتحدى البشر أن يأتوا بسورة:"أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين"يأتي بعدها مباشرة:"بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه..."؛ فسور القرآن الكريم تحيط بعلوم شتّى، وهي تسمو وترتفع، وهي تحفظ وتقي. ونحن هنا سنركز فقط على كون السّورة محدَدة المعالم.

القرآن الكريم 114 سورة، لم تتجاوز أطول سورة فيه 24 صفحة، على اعتبار أنّ كل صفحة تتألف من (260) كلمة، في حين كانت أقصر سورة تتكون من (10) كلمات فقط. وباقي السّور تتراوح بين ذلك. وتتكون كل سورة من عدد من الآيات، بحيث يكون متوسط عدد كلمات الآيات هو: (4, 12) كلمة. ويغلب أن تَقصُر السّور والآيات التي نزلت في المرحلة المكية، والتي ركّزت أكثر على الجانب العقائدي. وتطول السّور والآيات التي نزلت في المرحلة المدنية، وعلى وجه الخصوص عندما يكون الكلام في الشريعة والأحكام.

ومن هذا نستنتج:

أولًا: عندما نُخاطب الناس في أمور العقيدة فيحسن أن نوجز ونحدد بما يشبه أسلوب الشعارات، بعيدًا عن التطويل والإسهاب المستخدم لدى الفلاسفة.

ثانيًا: الإكثار من الفُصول، والأبواب، والفقرات، يساعد على الفهم، ويجذب القارئ بشكل أفضل، ويُبرز الأفكار من خلال تحديدها في إطار يفصلها عن غيرها بفاصل محسوس.

ثالثًا: الإطار العام دون تبويب يعطي فكرة كليّة مع شيء من الغموض في الأجزاء والتفاصيل. وأسلوب التسوير، والتقسيم إلى آيات، يساعد كثيرًا في إدراك الجزء، فيؤدّى ذلك إلى إدراك الكل بشكل أوضح وفهم أعمق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت