ومما يرجح هذا الاختيار:
1 -أن الضمائر في الآيات التي قبلها كلها راجعة إلى عيسى عليه السلام، قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157 - 158] .
فقوله (وَمَا قَتَلُوهُ) (وَمَا صَلَبُوهُ) (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (اخْتَلَفُوا فِيهِ) (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) (وَمَا قَتَلُوهُ) (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ) كل هذه الضمائر راجعة إلى عيسى عليه السلام، ولما عطف عليها قوله (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) وجب أن يكون الضمير عائدًا إلى عيسى عليه السلام، حتى تنسجم الضمائر. [1]
2 -ومما يقوي عود الضمير إلى عيسى عليه السلام، أن الأصل في الضمير عوده على مفسر مذكور، وليس في الآية ذكر للكتابي، وإنما المذكور عيسى عليه السلام. [2]
«فأما من فسر الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام؛ فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد الملك؛ كما قال تعالى: {وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن َ} [النساء: 18] ، وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا َ} [غافر: 84 - 85] ، ومن تأمل هذا القول وأمعن النظر فيه اتضح له أنه هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون هو المراد من الآية، والله تعالى أعلم» . [3]
(1) انظر: أضواء البيان (7/ 265 - 266) .
(2) المصدر السابق.
(3) تفسير ابن كثير (1/ 591) . بتصرف.