الإيراد الثاني: على التسليم بأن الضمير عائد على عيسى عليه السلام فإن هذا الإيمان إيمان اضطراري، بمعنى أن أهل الكتاب يتحققون أن عيسى عبد الله ورسوله، ومثل هذا لا ينفع صاحبه، كحالة الغرغرة فإن الإيمان لا ينفع عندها. [1]
وأجيب: بأن الآية لم تفصل في هذا الإيمان من حيث القبول والرد، فبقيت على إطلاقها بأن الإيمان نافع في زمن عيسى عليه السلام، ولا يصح تقييدها إلا بدليل، وليس ثمة دليل.
ومما يؤكد القول بأن من أحدث إيمانًا أو توبة في زمن عيسى عليه السلام قبل منه، حديث أبي هريرة، وفيه أن النبي - ذكر عيسى بن مريم فقال: « ... وَإِنَّهُ نَازِلٌ ... فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ» . [2]
(1) ذكر ابن كثير ما يفهم هذا المعنى في كتابه «النهاية» (1/ 172 - 173) .
(2) لفظ الحديث كاملًا: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ، رَجُلًا مَرْبُوعًا إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ، كَأَنَّ رَاسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَتَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُودُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ»
روي هذا الحديث من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، به.
وقد روي عن قتادة من ثلاثة طرق:
الأول: طريق همام بن يحيى، عن قتادة، به:
وقد رواه عنه:
-... عفان بن مسلم: أخرجه من طريقه الإمام أحمد في مسنده (2/ 406) ، حديث (9259) ، والحاكم في المستدرك (2/ 651) وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» . ولفظه: «وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ» .
-... هدبة بن خالد: أخرجه من طريقه الإمام أبي داود في سننه، في كتاب الملاحم، حديث (4324) ، وابن حبان في صحيحه (15/ 233) . ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ» .
الثاني: طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به:
وقد رواه عنه:
-... يحيى بن سعيد بن فروخ: أخرجه من طريقه الإمام أحمد في مسنده (2/ 437) ، حديث (9630) . ولفظه: «وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ، حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا غَيْرَ الْإِسْلَامِ» .
-... يزيد بن هارون: أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 499) ، وابن جرير في تفسيره (4/ 361) . ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ» .
الثالث: طريق الحسن بن دينار، عن قتادة، به:
-... رواه عنه ابن إسحاق: أخرجه من طريقه ابن جرير في تفسيره (( 3/ 289) . ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ» .
وللحديث شاهد مرسل، أخرجه أبو عمرو الداني في كتابه «السنن الواردة في الفتن» (6/ 1233) عن الحسن مرسلًا، ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ» .
وقد صحح الحديث الحافظ ابن كثير، في «النهاية» (1/ 146) ، وابن حجر في «الفتح (6/ 569) ، والألباني في «صحيح أبي داود» (2/ 32) حديث (4324) .