الصفحة 24 من 33

مكث الدجال إلى أن يقتله ابن مريم تعتبر طويلة، وهذا دليل واضح بأن طلوع الشمس ليس بأول الثلاث، والله تعالى أعلم.

الإيراد الثالث:

إذا كانت التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، فما فائدة ذكر الدجال والدابة في الحديث؟

والجواب: أن ذكرهما هو بمثابة التحذير والإعلام بقرب طلوع الشمس من مغربها، فكأن خروجهما إرهاصًا وإيذانًا بقرب طلوع الشمس، يدل على ذلك حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - قال: «إن ربكم أنذركم ثلاثًا .... فذكر الدخان، والدابة، والدجال» . [1]

وهذا الحديث واضح الدلالة في المقصود؛ لأن فيه التصريح بأن الدجال والدابة إنما هي نذر لما بين يديها من طلوع الشمس من مغربها، والذي يعني رفع التوبة، وعدم قبول الإيمان، فيكون خروجهما تحذيرًا للناس وتنبيهًا لهم بأن عليهم التوبة قبل أن يأت يوم لا تنفع فيه، وذلك اليوم هو طلوع الشمس من مغربها.

وإنما لم يذكر في حديث أبي مالك طلوع الشمس من مغربها؛ لأن طلوعها لا يقع فيه إنذار، وهذا مما يؤكد أن الدجال والدابة إنما هي نذر، والله تعالى أعلم.

ويلاحظ في حديث أبي هريرة تعليق الشرط على ثلاثة أشياء، مع أن الجواب حاصل بأحدها، وهو طلوع الشمس من مغربها، ولهذا نظائر في الكتاب والسنة:

فمن الكتاب قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 1 - 5] فانظر كيف علق الشرط على أربعة أشياء، وهي: انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرة القبور، مع أن الجواب - وهو علم النفس بما قدمت وأخرت - لا يكون إلا بعد بعثرة القبور.

ونظير هذا المثال من السنة قوله: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ [2] ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ [3] ؛ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» . [4] فانظر كيف علق وجوب الغسل على شيئين، مع أنه لا يجب إلا بواحد منهما، وهو التقاء الختانين.

(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (11/ 227) ، حديث (31062) ، والطبراني في الكبير (3/ 292) ، وأورده ابن كثير في تفسيره (4/ 150) ، والسيوطي في الدر المنثور (5/ 745) وقالا: «إسناده جيد» .

(2) الشُّعَبُ: جَمْع شُعْبَة، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الشَّيْءِ. قِيلَ: الْمُرَاد هُنَا يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا. وَقِيلَ: رِجْلَاهَا وَفَخِذَاهَا. وَقِيلَ: سَاقَاهَا وَفَخِذَاهَا. وَقِيلَ: فَخِذَاهَا وَإِسْكَتَاهَا. وَقِيلَ: فَخِذَاهَا وَشَفْرَاهَا. وَقِيلَ: نَوَاحِي فَرْجِهَا الْأَرْبَع. قَالَ الْأَزْهَرِيّ: الْإِسْكَتَانِ نَاحِيَتَا الْفَرْجِ , وَالشَّفْرَانِ طَرَف النَّاحِيَتَيْنِ. وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاض الْأَخِير. وَاخْتَارَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ الْأَوَّلَ , قَالَ: لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجُلُوسِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ، فَاكْتَفَى بِهِ عَنْ التَّصْرِيحِ. انظر: فتح الباري (1/ 470) .

(3) الختانان: هما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية. ويقال لقَطْعهما الإِعْذارُ والخَفْضُ، ومعنى التقائهما غُيُوبُ الحشفة في فرج المرأَة حتى يصيرَ خِتانه بحِذاء خِتَانِها، وذلك أَن مدخل الذكر من المرأَة سافل عن ختانها؛ لأَن ختانها مستعلٍ، وليس معناه أَن يَماسَّ خِتانُه خِتانها. انظر: مشارق الأنوار (1/ 230) ، ولسان العرب (13/ 138) .

(4) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحيض، حديث (349) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت