فهرس الكتاب
ومن ذهب إلى وجوب الترتيب يرى أن ظاهر اللفظ يدل على الترتيب ، والآية وردت على سبيل التدرج من الضعيف إلى القوي ثم إلى الأقوى فإنه تعالى ابتدأ بالوعظ ، ثم ترقى منه إلى الهجران ، ثم ترقى منه إلى الضرب ، وذلك جار مجرى التصريح بوجوب الترتيب ، فإذا حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشد .
أقول: لعل هذا هو الأرجح لظاهر الآية الكريمة والله أعلم .
قال ابن العربي: (من أحسن ما سمعت في تفسير هذه الآية قول(سعيد بن جبير) فقد قال:"يعظها فإن هي قبلت وإلاّ هجرها ، فإن هي قبلت وإلاّ ضربها ، فإن هي قبلت وإلا بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها ، فينظران ممن الضرر وعند ذلك يكون الخلع) ."
وروي عن علي كرم الله وجهه ما يؤيد ذلك فإنه قال:"يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها ، فإن أبت هجر مضجعها ، فإن أبت ضربها ، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين".
الحكم الثالث: هل يجوز في الحكمين أن يكونا من غير الأقارب ؟
ظاهر الآية أنه يشترط في الحكمين أن يكونا من الأقارب لقوله تعالى: {حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} وأن ذلك على سبيل الوجوب ، ولكن العلماء حملوه على وجه الاستحباب ، وقالوا: إذا بعث القاضي حكمين من الأجانب جاز ، لأن فائدة الحكمين التعرف على أحوال الزوجين وإجراء الصلح بينهما ، والشهادة على الظالم منهما ، وهذا الغرض يؤديه الأجنبي كما يؤديه القريب ، إلا أن الأقارب أعرف بحال الزوجين ، طلباً للإصلاح من الأجانب ، وأبعد عن التهمة بالميل لأحد الزوجين ، لذلك كان الأولى والأوفق أن يكون أحد الحكمين من أهل الزوج والآخر من أهل الزوجة .
قال الآلوسي:"وخُصّ الأهل لأنهم أطلب للصلاح ، وأعرف بباطن الحال ، وهذا على وجه الاستحباب ، وإن نصّبا من الأجانب جاز".
الحكم الرابع: من المخاطب في الآية الكريمة {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} .