فهرس الكتاب
قيل: إن امتناعهم من دخولها لكون هؤلاء فيها ، وإن اعتبار ذلك ليس في وقت دون وقت بل كل وقت ، ما يدخلونها من كونهم فيها وروي أن المقداد قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (أما والله ما نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن نُقْتل حيث شئت) .
قولًهً عًز وجل: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(25)
أظهر موسى شرَّ ما به وبيَّن عذره في غيره وأن ذلك لقلة انقيادهم له.
إن قيل: كيف يصح أن يقول لا أملك إلا نفسي ، والإنسان في الحقيقة لا يملك نفسه وأخاه ، إذا الملك هو التصرف في الشيء بالبيع والشراء ؟
قيل: هذا سؤال من هو بعيد عن متصرفات كلامهم ، بل عن معرفة
حقائق الأشياء ، فإن الإنسان إذا انقاد له قواه فيما يَسُومُها من فعل
الخير ، يقال: هو مالك لنفسه وإذا امتنعت عليه قواه ، يقال: هو غير
مالك لها ، وليس تصرف المِلِك والمَالك على وجه واحد .
وإعراب قوله: (وَأَخِى) محتمل له أربعة أوجه: الأول الرفع عطف على
موضع (إنَّي) .
الثاني: على الضمير في أملك ،
الثالث: نصب على المضمر في (إنَّي) ،
الرابع: نصب على قوله: (نفسِى) .
وقوله: (فَافْرُقْ بَيْنَنَا) أي بين مسكننا في الدنيا .
وقيل: بين منزلينا في الآخرة ، ولم يقل بيننا وبينهم
بل قال: (وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) ليكون دعاؤه أبلغ
وأقرب إلى استعمال الأدب في مخاطبة الله تعالى ، ولأنه من يجوز
أن يصلح منهم بعضهم ، فيجب أن لا يعين ، بل يذكر
الوصف الذي هوالفسق فيتعلق به الحكم ، وذكر
الفسق دون الكفر إذ
هو أعم منه .
قوله عز وجل: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(26)