أَخرج ابن جرير، والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسم نعمانُ بنُ آصا، وبحرُ بن عمر، وشاسُ بن عدي فكلموه، فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله، وحذَّرهم نقمتَهُ، فقالوا: ما تُخوّفُنَا يا محمَّد؟ نحن أبناءُ الله وأحباؤُه!! فأنزل الله فيهم الآية".
وكلمة"الله"ترددت في أسفار العهد القديم:"سفر الخررج: 4: 22 يقول الرب: إسرائيل ابني البكر"، والمزامير 89: 26، 27:"يدعوني أبي: أنت إِلهي، وصخر حياتي". وشر أرمياء 31: 9"لأني صِرتُ لإسرائيل أبًا، وافرايم هي بكرى"كما تردد في العهد الجديد: إنجيل متى 5: 9"طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم: أبناءُ الله يدعون"وفي رسالة بولس إِلى أهل رومية 8: 14"لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم: أَبناءُ الله"واليهود يطلقون على أَنفسهم الآن (شعب الله المختار) ، يعنون بذلك أنهم أحباؤُه، المختصون به دون سائر البشر.
ومعنى الآية: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى} هذه المقالة النابية: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} فلنا من الفضل والتكريم ما ليس لغيرنا. فهو يعاملنا معاملة الأب لأبنائه: يعطف علينا، ويرحمنا ولا يعذبنا. فرد الله عليهم هذا الزعم الباطل بقوله:
{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} :
أي: قل لهم يا محمد: إن كنتم كما زعمتم: أبناء الله وأحباءه، فلأي شيء يعذبكم بذنوبكم. وأنتم مقرون بأنكم ستعذبون على ما ارتكبتم من خطايا، كما حكى القرآن عنكم:
{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا معدودةً} : وهذا يتنافى مع دعواكم القرب من الله، ومحبته لكم؟! وإذن، فلا مزية ولا فضل لكم على سائر البشر. ولستم بأبناء الله ولا بأحبائه.
{بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} :
أَي ما أنتم إلا بشر كسائر البشر من خَلق الله، من غير مزية لكم عليهم.
{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} :
والله عَزَّ وَجَلَّ يغفر لمن يشاءُ من عباده: الذين فرط منهم بعض الخطايا: وهم المؤمنون باللهِ تعالى وبرسله.
{وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاَءُ} :