"شارب الخمر كعابد الوثن"ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج: 30] وأصل الرجس العمل القبيح القذر . قال الفراء: {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} [يونس: 100] أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً . ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان ، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت . ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الأمر للوجوب . ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة . والضمير في {فاجتنبوه} عائد إلى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك . ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة . ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي إلى التنازع واللجاج ، وكذا القمار يفضي إلى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان . وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذه الجسمية ، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية ، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود . وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك ، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين . ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله {فهل أنتم منتهون} كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟ ولهذا قالوا قد