وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة . وعن الزهري نزل كتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ . قال صلى الله عليه وسلم"في الضبع كبش إذا قتله المحرم"وقالت الصحابة: في الظبي شاة . أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ . ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له . حجة الشافعي قوله تعالى {من النعم} فإنه بيان للمثل وكذا قوله {هدياً بالغ الكعبة} وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم في الضبع بكبش . وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم . فحكموا في النعامة ببدنة ، وفي حمار الوحش ببقرة ، وفي الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي الظبي بشاة ، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة ، وفي اليربوع بجفرة ، وفي الحمام بشاة ، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة . والعب شرب الماء مرة ، والهدير ترجيعه صوته وتغريده . وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم ، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار . والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه ، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها ، والعناق الأنثى من أولاد المعز . وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل .