الثاني أن السيَّارة هم الذين يَركبونه ، كما جاء في حديث مالك والنَّسائيّ:"أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"هو الطّهُورُ ماؤُه الحِلُّ ميْتتهُ""قال ابن العربيّ قال علماؤنا: فلو قال له النبي صلى الله عليه وسلم"نعم"لما جاز الوضوء به إلاَّ عند خوف العطش ؛ لأن الجواب مرتبط بالسؤال ، فكأن يكون محالاً عليه ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة ، وبيان الشرع فقال:"هو الطهور ماؤُه الحل ميتته".
قلت: وكأن يكون الجواب مقصوراً عليهم لا يتعدى لغيرهم ، لولا ما تقرر من حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع ، إلاَّ ما نص بالتخصيص عليه ، كقوله لأبي بُرْدة في العناق:"ضَحِّ بها ولن تُجزئ عن أحد غَيرك".
السادسة قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً} التحريم ليس صفة للأعيان ، وإنما يتعلق بالأفعال ؛ فمعنى قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر} أي فعل الصيد ، وهو المنع من الاصطياد ، أو يكون الصيد بمعنى المصيد ، على معنى تسمية المفعول بالفعل كما تقدّم ، وهو الأظهر ؛ لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وُهِب له ، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه ، ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك ؛ لعموم قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً} ؛ ولحديث الصَّعْب بن جَثَّامة على ما يأتي.