فهرس الكتاب
64]، فلا يوجد ذو جلالاً بينه وبين صاحبه في الحسد عداوة وبغض، والحقد إلى أن يتوارثوا بطناً عن بطن فلا يكون بينهم موافقة في الحقيقة {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} [المائدة: 64] أي: يجتمعون لإثارة الفتنة على أهل الحقيقة ويتعفون على إظهار الباطل {أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64] ، نار مكرهم وشتت عليهم أمرهم {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً} [المائدة: 64] ، بإظهار الإنكار والغيبة والبهتان وتقبح أحوال أهل الحق عند العوام؛ لكسر قلوبهم في نظر الخلق ليحقروا بعد وقرُوا {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] ، الذين يفسدون اعتقاد الخلق في أرباب الصدق وأهل الحق.
ثم أخبر عن إصلاح حال من يقبل الصلاح بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [المائدة: 65] ، الإشارة ولو أن أهل الكتاب؛ يعني: أهل العوام الظاهر وآمنوا بالعلوم الباطنة وأقروا وصدقوا أهلها فيما يخبرون عنها، واتقوا الإنكار والاعتراض والحسد عليهم لكفر عنهم سيئاتهم، وهي الغفلة عنها والجهل بها والإنكار عليها، والحسنات التي تصدر عن الأبرار بالعكوف على الأعمال البدنية دون القلبية ولزوم العلوم الظاهرة بالإعراض عن العلوم الباطنة، فإنها سيئات المقربين {وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [المائدة: 65] ؛ أي: لأنزلناهم مع المقربين منازل الأولياء والصديقين ودرجات الشهداء والصالحين {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} [المائدة: 66] ، في القرآن المجيد والكتب المنزلة والصحف الأولى؛ يعني: لو علموا بمقتضياتها ولزموا مستحسناتها، وهي تزكية النفس عن خصائصها الذميمة وتحليتها بدوام الذكر ومراقبة السر لحصول الأخلاق الكريمة ومخالفة الهوى وإيثار الآخرة على الأولى يدل على هذا التحقيق قوله تعالى