وقال تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم) (سورة الأحزاب: 5) -
يؤكد هذا قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (سورة البقرة: 286) -
ومن بذل جهده في معرفة الحق، فأخطأ الطريق إليه، لم يكن عليه جناح ولم يوجه إليه لوم، وإلا كلفناه ما لا طاقة له به، وهو منفي أيضا بما دلت عليه الآية السابقة (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) -
* البعد عن المراء واللدد في الخصومة
وعامل آخر يقرب بين أصحاب الرأي المختلف، وهو: البعد عن المراء المذموم واللدد في الخصومة -
فالإسلام ـ وإن أمر بالجدال بالتي هي أحسن ـ ذم المراء، الذي يراد منه الغلبة على الخصم بأي طريق، دون التزام بمنطق ولا خضوع لميزان بين الطرفين -
وهذا ما ذم الله به الممارين من أهل الشرك والكفر، بمثل قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير - ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله) (سورة الحج: 8،9) -
(ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق) (سورة الكهف: 56) -
(ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت) -
فهذا المماري المتجبر يزعم أنه يحيي ويميت، لأنه يحكم على بعض الناس بالموت، ثم يعفو عنهم فيقول: قد أحييتهم! ويحكم على آخرين وينفذ الحكم - فيقول: قد أمتهم! فهو يفسر الإحياء والإماتة كما يشاء، وليس هذا هو التفسير الذي يعرفه الناس، والذي قصده إبراهيم عليه السلام بقوله: (ربي الذي يحيي ويميت) -
ومن هنا جاء في الحديث ذم المراء، والترغيب في البعد عنه -
فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، ويبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، ويبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه"-
وعن أبي أمامة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، ثم تلا: (بل هم قوم خصمون) (سورة الزخرف: 85) -