فهرس الكتاب
{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}
عطف على جملة: {فأعرض عنهم} [الأنعام: 68] أو على جملة: {وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء} [الأنعام: 69] .
وهذا حكم آخر غير حكم الإعراض عن الخائضين في آيات الله ولذلك عطف عليه.
وأتي بموصول وصلة أخرى فليس ذلك إظهاراً في مقام الإضمار.
و {ذرْ} فعل أمر.
قيل: لم يرد له ماض ولا مصدر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول.
فتصاريفه هذه مماتة في الاستعمال استغناء عنها بأمثالها من مادّة ترك تجنّباً للثقل واستعملوا مضارعه والأمر منه.
وجعله علماء التصريف مثالاً واوياً لأنَّهم وجدوه محذوف أحد الأصول، ووجدوه جارياً على نحو يَعِد ويَرث فجزموا بأنّ المحذوف منه الفاء وأنَّها واو.
وإنَّما حذفت في نحو ذَرْ ودَعْ مع أنَّها مفتوحة العين اتِّباعاً للاستعمال، وهو حذف تخفيف لا حذف دفع ثقل، بخلاف حذف يَعِد ويَرث.
ومعنى: (ذَر) اترك، أي لا تخالط.
وهو هنا مجاز في عدم الاهتمام بهم وقلَّة الاكتراث باستهزائهم كقوله تعالى: {ذَرْني ومن خلقتُ وحيداً} [المدثر: 11] ، وقوله: {فذرني ومن يكذّب بهذا الحديث} ، وقول طرفة:
فذَرْنِي وخُلْقي إنَّنِي لَك شاكر ... ولو حلّ بيتِي نَائِياً عند ضَرْغد
أي لا تبال بهم ولا تهتمّ بضلالهم المستمرّ ولا تشغل قلبك بهم فالتذكير بالقرآن شامل لهم، أو لا تعبأ بهم وذكّرهم به، أي لا يصدّك سوء استجابتهم عن إعادة تذكيرهم.
والدّين في قوله: اتَّخذوا دينهم يجوز أن يكون بمعنى الملَّة، أي مايتديَّنون به وينتحلونه ويتقرّبون به إلى الله، كقول النابغة:
مجلّتهم ذات الإله ودينُهم
قَويم فما يرجُون غيرَ العَوَاقِب ...
أي اتَّخذُوه لعباً ولهواً، أي جعلوا الدين مجموع أمور هي من اللعب واللهو، أي العبث واللهو عند الأصنام في مواسمها، والمكاء والتصدية عند الكعبة على أحد التفسيرين في قوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] .