فهرس الكتاب
لم يقل محمدٌ وآمنوا بي ؛ لأنها ليست مسألة ذاتية في شخصك ما يا محمد ، إنما هو تكريم لرسالتك إلى الناس ، فالإِيمان لا بذاتك وشخصك ، ولكن لأنك رسول الله ، فجاء بالحيثية الأصلية {فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ} ، والرسول قد يكون محمداً أو غير محمد . . وبعد ذلك قال في وصف النبي: {النبي الأمي الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ} . والأمية - كما علمنا من قبل - شرف في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو صلى الله عليه وسلم يؤمن بكلمات الله ، وهي إما بما بلغنا عنه من أسلوب القرآن ، وإمّا بالذي قاله موسى لقومه:"وجعل كلامي في فيه".
ويقول فيه عيسى - الذي لا يتكلم من قِبَل نفسه - ، وإنما تأتي له كلمات ربنا في فمه ، والقول الشامل في وصف كلمات محمد صلى الله عليه وسلم: ما بيّنه الحق في قوله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [النجم: 3]
أو أن الإِيمان بالكلمات هو أن يؤمن بأن كل كون الله مخلوق بكلمة منه: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]
ولقائل أن يقول: كيف يخاطب الله شيئاً وهو لم يكن بعد؟ ونقول: إنه سبحانه قد علمه أزلاً ، ووجوده ثابت وحاصل ، ولكن الله يريد أن يبرز هذا الموجود للناس ، فوجود أي شيء هو أزلي في علم الله ، وكأنه يقول للشيء: أظهر يا كائن للوجود ليراك الناس بعد أن كنت مطموراً في طيّ قدرتي .
وسواء أكانت الكلمة بخلق الأسباب ، مثل خلث الشمس والقمر أم بخلق شيء بلا أسباب ، كعيسى - عليه السلام - فأنه"كلمة منه"أي كلمة تخطت نطاق الأسباب ؛ بأن ولدت سيدتنا مريم من غير رجل . وفي هذا تخطٍ للأسباب ، ولذلك قال الحق سبحانه: