فهرس الكتاب
وما رميتَ يا محمَّد الحصباء المخلوطة بالتراب بقدرتك الذاتية، حين رميتها يوم بدر في وجوه المشركين، فامتلأَت بها عيونهم، وشغلوا بها عن قتالكم، ولكن الله تعالى هو الذي أَلهمك إِلقاءها، وأقدرك على رميهم بها، وأَوصلها مع قلتها إلى عيون المشركين جميعهم، - وهم نحو الأَلف - فالله تعالى هو الذي رماهم بها حقيقة، وأَما رميك لهم فهو بإِقدار الله، ربطا للمسببات بأَسبابها الظاهرة، ولولا ذلك ما حدث الرمى ولا آثاره، واستدل بالآية على أَن أَفعال العباد بخلقه تعالى، وإِنما لهم كسبها ومباشرتها، قال الإِمام الرازى: أَثبت - سبحانه - كونه - صلى الله عليه وسلم - راميا، ونفى كونه راميا، فوجب حمله على أنه - صلى الله عليه وسلم - رمى كسبا، والله رمى خلقا.
وقال ابن المنبر: علامة المجاز أَن يصدق نفيه حيث يصدق ثبوته، ثم قال: فلمَّا أَثبت الله سبحانه الفعل للخلق ونفاه عنهم، دل على أن نفيه على الحقيقة، وثبوته على المجاز بلا شبهة.
وقد كتب علماء التوحيد في خلق أَفعال العباد، وكتب علماء التفسير في هذه الآية كلاما طويلًا، فمن شاءَ المزيد فليطلبه في المطولات.
{وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} : أَي ولكى يعطى المؤمنين عطاء حسنًا في غزوة بدر، سمع استغاثتهم وعلم إِخلاصهم فنصرهم، إن الله سميع لدعائهم واستغاتهم ولكل مسموع، عليم بنياتهم وإِخلاصهم وبكل معلوم.
18 - {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} : الإِشارة بـ {ذَلِكُمْ} راجعة إِلى ما تقدم من البلاء الحسن، والبلاء بمعنى العطاء كما تقدم بيانه.
والمعنى: ذلكم البلاء أَي العطاء الحسن للمؤمنين، وتوهين الله كيد الكافرين وإِبطاله، هما المقصودان من تهيئة أَسباب النصر للمؤمنين على الكافرين.
{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) } .
المفردات:
{تَسْتَفْتِحُوا} : تطلبوا الفتح وهو النصر. {فِئَتُكُمْ} : جماعتكم.
التفسير