ومنها: جواز الخَرْصِ للرُّطَبِ على رؤوس النخل ، وأنه من الشرع ، والعمل بقول الخارص ، وقد تقدَّم فِي غزاة خَيْبَر ، وأن الإمام يجوز أن يخرِصَ بنفسه ، كما خرصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديقة المرأة.
ومنها أنَّ الماء الذي بآبار ثمود ، لا يجوز شُربه ، ولا الطبخُ منه ، ولا العجينُ به ، ولا الطهارةُ به ، ويجوز أن يُسقى البهائم إلا ما كان من بئر الناقة. وكانت معلومةً باقية إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استمر عِلْمُ الناسِ بها قرناً بعد قرن إلى وقتنا هذا ، فلا يرِدُ الركوبُ بئراً غيرها ، وهي مطويَّةٌ محكمة البناء ، واسعة الأرجاء ، آثار العِتق عليها بادية ، لا تشتبِه بغيرها.
ومنها: أنَّ مَن مرَّ بديار المغضوب عليهم والمعذَّبين ، لم ينبغ له أن يدخُلَها ، ولا يُقيم بها ، بل يُسرع السير ، ويتقنَّع بثوبه حتى يُجاوِزَها ، ولا يدخل عليهم إلا باكياً معتبراً.
ومن هذا إسراعُ النبي صلى الله عليه وسلم السير فِي وادى مُحَسِّر بين مِنَى وعَرَفة ، فإنه المكانُ الذي أهلك الله فيه الفيلَ وأصحابه.
ومنها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمعُ بين الصلاتين فِي السفر ، وقد جاء جمعُ التقديم فِي هذه القصة فِي حديث معاذ ، كما تقدَّم ، وذكرنا عِلَّة الحديث.
ومَن أنكره ، ولم يجئ جمع التقديم عنه فِي سفر إلا هذا ، وصح عنه جمعُ التقديمِ بعَرَفة قبل دخوله إلى عَرَفة ، فإنه جَمَعَ بين الظهر والعصر فِي وقت الظهر ، فقيل: ذلك لأجل النُّسُك ، كما قال أبو حنيفة. وقيل: لأجل السفر الطويل ، كما قاله الشافعى وأحمد. وقيل: لأجل الشغل ، وهو اشتغالُه بالوقوف ، واتصالُه إلى غروب الشمس. قال أحمد: يجمع للشغل ، وهو قول جماعة من السَّلَف والخَلَف ، وقد تقدَّم.