فهرس الكتاب
قال محمَّد بن المبارك: قال لي الفضل بن سعيد: فلقيت رشدين ابن سعد، فحدثته حديث الراهب، قال: صدق، قرأت في كتب الحكمة: لا ينبغي لصديق أن يكون صاحب حانوت.
قلت: وإن حمل هذا على ظاهره، فإن من شرط الصديق التجرد عن الأسباب الظاهرة، فهذا كان في شريعة أولئك وملتهم، وأما في شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وملته فإنَّ الأسباب لا تناقض رتبة من رتب المؤمنين أصلًا.
نعم، يلزم أن لا يكون القلب متعلقًا في طلب الرزق وحصوله إلا
بالله تعالى، وقد كان السَّرِيُّ سَقَطياً، والجُنيد قواريرياً، وأبو حفص النيسابوري حداداً، وآخرون من سادات العارفين كانوا متَّجرِين ومحترفين، وقد كانوا صديقين، وعبد الرحمن بن عوف وأمثاله من الصحابة كانوا مكتسبين وهم من كُمَّلِ الصديقين، فافهم!
وروى الختلي عن مالك بن دينار - رضي الله عنه - قال: قرأت في التوراة: أيها الصديقون! تنعموا في الدنيا بذكري؛ فإنه لكم في الدنيا نعيم، وفي الآخرة أجر.
وروى الإِمام أحمد، والحاكم وصححه، عن معاذ بن أنس - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَنْ قَرَأَ ألفَ آيَةٍ في سَبِيْلِ اللهِ كُتِبَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ النَبِيّينَ وَالصِّدّيْقِيْنَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِيْنَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيْقًا إِنْ شَاءَ الله".
وقوله:"إن شاء الله"للتبرك، لا للشك.
وروى ابن أبي الدنيا، والختلي عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنَّه كان يقول: إن الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة، ثم يقول: خذوا، فيقرأ، ثم يقول: اسمعوا ما يقول الصادق من فوق عرشه.
وروى أبو الحسن بن جهضم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: من أقام نفسه مواقف ذل في طلب الحلال، حشره الله تعالى مع الصديقين، ورفعه إلى الشهداء يوم القيامة.
وعن السَّرِي رحمه الله تعالى قال: ثلاثة من أحوال الصديقين:
-أن يكونوا بما في يد الله أوثق منهم بما في أيديهم.
-ومطالبون نفوسهم بما للناس عليهم.
-وإذا عُرِض أمران لله فيهما رضي، حملوا نفوسهم على أصعبهما وأشدهما، وإن كان فيه تلف نفوسهم.