ثم أخبر عن أرباب النفاق من الأعراب بقوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} [التوبة: 101] إلى قوله: {هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104] ، {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الْأَعْرَابِ} يشير إلى صفات النفس، فإنها بمثابة الأعراب بالنسبة إلى مدينة القلب وصفاته، وإنها تدور حول القلب؛ يعني: من أعراب صفات النفس بعضها منافق لاحتمال أن يكون بعضها منافقاً، وبعضها كافراً، وبعضها مسلماً، فالمنافق منها كالصفة الحيوانية من الشهوات، فإنها تبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس لسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً الحقيقة؛ لأنها تتبدل بالكلية بحيث تنزع عنها الشهوة بحيث تكون مغلوبة فيها بالسياسة، وهذا حال المنافق أن يكون ظاهره بخلاف باطنه بالرئاسة.
والكافر منها كالصفة البهيمية في طلب الغذاء من المأكول والمشروب، فإنها لا تتبدل بضدها وكالاستغناء عن الأكل والشرب؛ لحاجة الجسد إلى الغذاء لبدل ما يتحلل من الجسد، والمسلم: كالصفة السبعية والشيطانية من الغضب والكبر والعداوة والكذب والخيانة، فإنها تحتمل أن تتبدل بضدها من الحلم والتواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإسلام وترشح نور الإيمان عن القلب وانشراح الصدر بنور ربها، وهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب، ففيها بعض النفاق كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الكذب والخيانة وخلف الوعد والغدر من النفاق، فقال:"من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، ومن كانت فيه خصلة منه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها".