فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت يا هذا ، والله يا نبي الله ما نعلم منه إلاَّ خيراً.
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك ، وقفل ودنا من المدينة ، جعلت أتذكر بماذا أخرج من سخطة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ذي رأي من أهلي ، حتى إذا أقبل النبي صلى الله عليه وسلم راح عني الباطل وعرفت ألا أنجو إلاَّ بالصدق.
ودخل النبي صلى الله عليه وسلم ضحى ، فصلى في المسجد ركعتين.
وكان إذا جاء من السفر فعل ذلك ، فدخل المسجد وصلى ركعتين ، ثم جلس فجعل يأتيه من تخلف فيحلفون له ويعتذرون إليه ، ويستغفر لهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.
فدخلت المسجد ، فإذا هو جالس فلما رآني تبسَّم تبسُّم المُغضب ، فجئت فجلست بين يديه.
فقال:"أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ"فقلت بلى يا نبي الله.
فقال:"ما خَلَّفَكَ"فقلت: والله لو أني بين أحد من الناس غيرك جلست ، فخرجت من سخطه عليّ بعذر ، ولقد أوتيت جَدَلاً ، ولكني قد علمت يا رسول الله أني لو أخبرتك اليوم بما تجد عليّ فيه وهو حق ، فإني أرجو فيه عفو الله ، وإن حدثتك حديثاً ترضى علي فيه وهو كذب ، أوشك الله أن يطلعك عليّ.
والله يا نبي الله ما كنت قط أيسر ولا أخف حالاً حين تخلفت عنك.
قال:"أمَّا هذا فَقَدْ صَدَقَكُمْ الحَدِيثَ قُمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله فِيكَ".
فقمت فسار على أثري ناس من قومي يؤنبونني وقالوا: والله ما نعلمك أذنبت ذنباً قط قبل هذا ، فهلا اعتذرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما يرضى عنك ، فكان استغفاره سيأتي من وراء ذلك ولم تقف نفسك موقفاً لا تدري ما يقضى لك فيه.
فلم يزالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي ، فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا: نعم فقلت: من هو؟ فقالوا: هلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدراً ، لي فيهما أسوة ، فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبداً ، ولا أكذب نفسي.