ولذلك نرى ان يعقوب (عليه السلام) فيما تحكيه الآيات من توكله على الله لم بلغ الأسباب ولم يهملها بل تمسك بالأسباب العادية فكلم أولا بنيه في اخيهم ثم اخذ منهم موثقا من الله ثم توكل على الله وكذا فيما وصاهم في الآية الاتية بدخولهم من أبواب متفرقة ثم توكله على ربه تعالى.
فالله سبحانه على كل شيء وكيل من جهة الأمور التي لها نسبة إليها كما انه ولى لها من جهة استقلاله بالقيام على الأمور المنسوبة إليها وهي عاجزة عن القيام بها بحول وقوة وانه رب كل شيء من جهة انه المالك المدبر لها.
ومعنى الآية قال يعقوب لبنيه لن ارسله أي اخاكم من أم يوسف معكم حتى تؤتون وتعطوني موثقا من الله اثق به واعتمد عليه من عهد أو يمين لتاتننى به واللام للقسم ولما كان ايتاؤهم موثقا من الله انما كان يمضى ويفيد فيما كان راجعا إلى استطاعتهم وقدرتهم استثنى فقال إلا أن يحاط بكم وتسلبوا الاستطاعة والقدرة فلما آتوه موثقهم من الله قال يعقوب الله على ما نقول وكيل أي انا قاولنا جميعا فقلت وقلتم وتوسلنا بذلك إلى هذه الأسباب العادية للوصول إلى غرض نبتغيه فليكن الله سبحانه وكيلا على هذه الاقاويل يجريها على رسلها فمن التزم بشيء فليات به كما التزم وان تخلف فليجازه الله وينتصف منه.
قوله تعالى:"وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة"إلى آخر الآية هذه كلمة القاها يعقوب (عليه السلام) إلى بنيه حين آتوه موثقا من الله وتجهزوا
واستعدوا للرحيل ومن المعلوم من سياق القصة انه خاف على بنيه وهم أحد عشر عصبة لا من ان يراهم عزيز مصر مجتمعين صفا واحدا لأنه كان من المعلوم انه سيشخصهم إليه فيصطفون عنده صفا واحدا وهم أحد عشر اخوة لاب واحد بل انما كان يخاف عليهم ان يراهم الناس فيصيبهم عين على ما قيل أو يحسدون أو يخاف منهم فينالهم ما يتفرق به جمعهم من قتل أو أي نازلة أخرى.