وكذلك قوله: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) ، أخبر أنه إذا رحمه امتنع عن السوء والأمر به، وهم يقولون: إنه - وإن رحم - لا يمتنع السوء ولا الأمر به.
وكذلك قوله: (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ) ، وهم يقولون: ليس له أن يصيب أحدًا دون أحد من رحمته؛ ولا أن يخص أحدًا بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101)
قال أبو بكر الأصم: ذكر (مِنَ الْمُلْكِ) ؛ لأنه لم يؤته كل الملك؛ إذ كان ووقه ملك أكبر منه، لكن لا لهذا ذكر (مِنَ الْمُلْكِ) ؛ إذ معلوم أنه لم يؤت لأحد كل ملك الدنيا؛ قال اللَّه تعالى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) ، ويكون في وقت واحد ملوك.
وقال مقاتل: (من) صلة: كأنه قال: رب قد آتيتني من الملك. لكن الوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ...) إلى آخر ما ذكر، قدم دعاءه؛ وسؤاله ربه ما سأل؛ إحسانه إليه ومحامده وصنائعه؛ ليكون ذلك له وسيلة إلى ربه في الإجابة.
وفي ذلك دلالة نقض قول المعتزلة من وجهين:
أحدهما: يقولون: إن كل أحد شفيعه عمله؛ فيوسف لم يذكر ما كان منه: أني فعلت كذا؛ فافعل بي كذا، ولكن ذكر نعم اللَّه وإحسانه إليه.
والثاني من قولهم: إنه لا يؤتي أحدًا ملكًا ولا نبوة إلا بعد الاستحقاق به ولا يكون من اللَّه إلى أحد نعمة وإحسان إلا بعد الاستحقاق.
ومن قولهم: إن كل أحد هو المتعلم؛ لا أن اللَّه يعلم أحدًا، وقد أضاف يوسف التعليم إلى اللَّه؛ حيث قال: (وَعَفَضتَنِى مِن تَأويلِ آلأصًادِيث وهم يقولون: لم يعلمه ولكن هو تعلم.