عنه بزعامة العلم وإقامة الحجاج عليه (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ
شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)
وهم (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) .
ولما ركبوا سبيل الضلالة زعموا بالعلم وكانوا أبعد شيء عنه، وهم الثنوية
القائلون بأن فاعل العالم أصلان قديمان:
أحدهما: نور.
والآخر: ظلام.
قالوا: فالنور خير بطبعه وجعلوه مطبوعًا، والظلام شرير بطبعه.
قالوا: فالنور لا يفعل إلا الخير، والظلام لا يفعل إلا الشر، وصرحوا بأن النور
هو الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه، وأن الظلام هو الشيطان، وقسموا موجودات العالم
إلى ما هو عن النور وإلى ما هو عن الظلام، كما يقسم الحق الموجود به العالم إلى
ما هو ذكر وإلى ما هو فتنة، وإلى ما هو المحبوب والمكروه، والسراء والضراء
ونحو هذا، ونحا نحو هذا طائفة من أهل القبلة هم القدرية، وهم من طوائف الضالة
الذين توجه إليهم قوله: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ)
ومنهم المثلثة وهم النصارى، ومنهم المخمسة الذين قالوا: بخمس
قالوا: هم الهيولي والمادة والصورة والعدم والبارئ - سبحانه وتعالى - عما يقولون علوا
قالوا: في كل مسمى من هؤلاء يعمل في العالم بخاصة والبارئ سبحانه يصلح
ما وصل إليه وما لم يصل إليه، بقي على ما كان عليه - سبحانه وتعالى - عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
يقول الله جل ذكره: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
الغالب على أمره، وهو على كل شيء قدير.
وضرب - جلَّ جلالُه - لذلك مثلاً فقال جلَّ قوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)
أيْ واحدًا طيبًا طاهرًا مطهرًا، فخلق عنه الخلق الكثير الجم الغفير، فذلك آيته جل
ذكره على أنه الواحد القهار الأحد الطيب المطيب الطاهر المطهر القدوس السلام
المؤمن المهيمن، خلق كل شيء ، لم يخرج شيء عن أن يكون خلقًا مقدورًا لقدرته،