الثاني: يشير قوله تعالى: {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي} الآية ، إلى أن هذا النبأ ليس مما تنبغي العناية بتحقيقه وتدقيق أطرافه ، وابتغاء الرشاد فيه ، حتى يتكلف لفتوى أهل الكتاب فيه . العزم على فعل شيء مما يلابسه في المستقبل ، لأنه من الأمور الغابرة التي حق الخائض فيها أن ينظر منها إلى وجه العبرة والفوائد التي حوتها ، كما أحكمته آيات التنزيل في شأنها .
الثالث: اعترضت هذه الآداب أعني من قوله تعالى: {فَلَا تُمَارِ} إلى هنا قبل تتميم نبئهم ، مبادرة إلى الاهتمام بهذه الآداب والاحتفاظ بها ، لتتمكن فضل تمكن ، وترسخ في النفس أشد رسوخ . والله أعلم .
الرابع: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} : إذا نسيت الاستثناء بالمشيئة ثم ذكرت فاستثن ، وذلك كما قال القرطبي لتدارك التبرك والتخلص عن الإثم .
وقال في"الانتصاف": أما ظاهر الآية فمقتضاه الأمر بتدارك المشيئة ، متى ذكرت ولو بعد الطول . وأما حلُّها لليمين حينئذ فلا دليل عليه منها . انتهى .
ودعوى أنه الظاهر هو أحد الوجوه فيها ، مفرعاً على أن المشيئة في الآية قبلها ، مشيئة القول ، وهو أحد معاني الآية . وقد حكي عن ابن عباس جواز الاستثناء وإن طال الزمان . ثم اختلف عنه فقيل إلى شهر وقيل إلى سنة وقيل أبداً . وفي"حصول المأمول": ومن قال بأن هذه المقالة لم تصح عن ابن عباس ، لعله لم يعلم بأنها ثابتة في"مستدرك الحاكم"وقال: صحيح على شرط الشيخين بلفظ: ( إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلا سنة ) ومثله عند أبي موسى المديني وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق . وبالجملة فالرواية عنه رضي الله عنه قد صحت ، لكن الصواب خلاف ما قاله .
قال ابن القيم في"مدارج السالكين": إن مراده أنه إذا قال شيئا ولم يستثن ، فله أن يستثني عند الذكر . وقد غلط عليه من لم يفهم كلامه . انتهى .