وقال أبو إسحاق: (أي جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم أي: يهلكهم) . والبين على هذا ظرف، والموبق على القولين في مصدر، كأنه قيل: جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكًا لهم في الآخرة. والتأويل: سبب هلاك. هذا تقدير قول الفراء. وعلى قول أبي إسحاق كأنه قيل: جعلنا بينهم هلاكًا. يعني: عذابًا يهلكهم. ونص الضحاك على لفظ الهلاك فقال في قوله: {مَوْبِقًا} : (هلاكًا) .
قال الفراء في"المصادر":(يقال: وَبِقَ، يَوبقُ، وَبَقاً، فهو وَبِق،
قال: وبنو عامر يقولون: يابِق، وتميم تقول: يَبِق والمصدر واحد). وحكى الكسائي: (وَبَقَ، يَبِقُ، وُبُوقًا، فهو وابِق، قال: ولم أسمعها.
وذكر الزجاج هذه اللغات كلها.
وذُكِرَ في تفسير الموبق قولان آخران لا يدرى لهما أصل.
أحدهما: ما روي عن الحسن أنه قال: (جعلنا بينهم عداوة يوم القيامة) . فقال بعض أهل المعاني في هذا: يعني عداوة مهلكة. وهذا بعيد.
والقول الآخر: ما قاله أبو عبيدة قال في تفسير الموبق:(أنه الموعد، واحتج بقول الشاعر:
وجاد شرورى والستار فلم يدع ... تعارًا له والواديين بموبق
قال: معناه بموعد). ولم يذكر أحد من أهل اللغة وَبَقَ بمعنى: وعد، ثم وإن صح، فأي معنى لقوله: وجعلنا بينهم موعدًا. وهذا القول فاسد لفظًا ومعنى. وقد قال الأخفش: (موبق مثل: موعد) . ولعله رأى هذا فظن أنه يقول: هو مثله في التفسير. وذهب عليه أن يريد ذلك في اللفظ؛ لأنه قال: هو مثل: موعد، من وَبَقَ يَبِقُ. فظن أن وَبَقَ بمعنى: وعد، لما رأى مثل موعد. والله أعلم.
53 -قوله تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ} قال ابن عباس: (يريد المشركين) . وهي تتلظى حنقا عليهم {فَظَنُّوا} ، قال ابن عباس، ومجاهد: (تيقنوا) .
وقال السدي: (استيقنوا) .
وهو قول جميع المفسرين. والظن هاهنا بمعنى: العلم.