قلت: المقدوني نسبةً إلى بلدة من بلاد الروم غربيَّ دارِ السلطنة السنية قُسطنطينيةَ المحمية لا زالت مشحونةً بالشعائر الدينية ، بينهما من المسافة مسيرةُ خمسةَ عشر يوماً أو نحوِ ذلك عند مدينة سَيروزَ اسمُها بلغة اليونانيين مقدونيا ، كانت سريرَ مُلك هذا الإسكندرِ وهي اليوم بلقَعٌ لا يقيم بها أحد ، ولكن فيها علائمُ تحكي كمالَ عِظَمها في عهد عُمرانها ونهايةِ شوكةِ واليها وسلطانِها ، ولقد مررتُ بها عند القُفول من بعض المغازي السُّلطانية فعاينتُ فيها من تعاجيب الآثارِ ما فيه عبرةٌ لأولي الأبصار.
{قُلْ} لهم في الجواب {يَتْلُو عَلَيْكُمْ} أي سأذكر لكم {مِنْهُ} أي من ذي القرنين {ذِكْراً} أي نبأ مذكوراً ، وحيث كان ذلك بطريق الوحي المتلوِّ حكايةً عن الله عز وجل ، قيل: سأتلو أو سأتلو في شأنه من جهته تعالى ذكراً أي قرآناً ، والسينُ للتأكيد والدِلالة على التحقيق المناسبِ لمقام تأييدِه عليه الصلاة والسلام وتصديقِه بإنجاز وعدِه ، أي لا أترك التلاوةَ ألبتةَ كما في قوله من قال
سأشكر عَمْراً إن تراخت منيّتي... أياديَ لك تُمنَنْ وإن هي جلَّتِ
لا للدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل ، لأن هذه الآيةَ ما نزلت بإنفرادها قبل الوحي بتمام القصة ، بل موصولةٌ بما بعدها ريثما سألوه عليه الصلاة والسلام عنه وعن الروح وعن أصحاب الكهفِ ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:"ائتوني غداً أخبرْكم"فأبطأ عليه الوحيُ خمسة عشر يوماً أو أربعين كما ذكر فيما سلف.
وقوله عز وجل: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض}