فهرس الكتاب
وإيضاح ذلك: أنه دلت أدلة سيأتي قريباً تفصيلها إن شاء الله ، على أن تحتم فسخ الحج المذكور في العمرة ، وأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم أصحابه به خاص بذلك الركب وبتلك السنة ، وأنه ما أمر بذلك لأفضلية ذلك في حد ذاته ، ولكن لحكمة أخرى خارجة عن ذاته: وهي أن يبين للناس ، أن العمرة في أشهر الحج جائزة ، وما فعله صلى الله عليه وسلم ، أو أمر به للبيان والتشريع ، فهو قربة في حقه ، وإن كان مكروهاً ، أو مفضولاً ، فقد يكون الفعل بالنظر إلى ذاته مفضولاً أو مكروهاً ، ويفعله النَّبي صلى الله عليه وسلم ، أو يأمر به لبيان الجواز فيصير قربة في حقه ، وأفضل مما هو دونه بالنظر إلى ذاته كما هو مقرر في الأصول ، وإليه أشار صاحب مراقي السعود بقوله:
وربما يفعل للمكروه... مبيناً أنه للتنزيه
فصار في جانبه من القرب... كالنهي أن يشرب من فم القرب
وقال في نشر البنود في شرحه للبيتين المذكورين: يعني ، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قد يفعل المكروه المنهي عنه ، مبيناً بذلك الفعل ، أن النهي للتنزيه لا للتحريم ، فصار ذلك الفعل في حقه قربة يثاب عليها لما فيه من البيان ، كنهيه عن الشرب من أفواه القرب ، وقد شرب منها انتهى منه.
وليس قصدنا أن التمتع والقران مكروهان ، بل لا كراهة في واحد منهما يقيناً ، ولكن المقصود بيان أن الفعل الذي فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز ، يكون بهذا الاعتبار أفضل من غيره ، وإن كان غيره أفضل منه ، بالنظر إلى ذاته وهذه هي الأدلة الدالة ، على أنه فعل ذلك لبيان الجواز ولذلك يختص بذلك الركب ، وتلك السنة.