اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمَنَافِعِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , وَأَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهَا إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى، عَلَى نَحْوِ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَعْنَى الشَّعَائِرِ الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} فَقَالَ الَّذِينَ قَالُوا عَنَى بِالشَّعَائِرِ الْبُدْنَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِي الْبُدْنِ مَنَافِعُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَيْضًا الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ، وَفِي الْأَجَلِ الَّذِي قَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ: {إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى} فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحَالُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَهُمُ فِيهَا مَنَافِعَ، هِيَ الْحَالُ الَّتِي لَمْ يُوجِبْهَا صَاحِبُهَا , وَلَمْ يُسَمِّهَا بَدَنَةً , وَلَمْ يُقَلِّدْهَا. قَالُوا: وَمَنَافِعُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ: شُرْبُ أَلْبَانِهَا، وَرُكُوبُ ظُهُورِهَا، وَمَا يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ مِنْ نِتَاجِهَا وَأَوْلَادِهَا. قَالُوا: وَالْأَجَلُ الْمُسَمَّى الَّذِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ ذَلِكَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا إِلَيْهَا، هُوَ إِلَى إِيجَابِهِمْ إِيَّاهَا، فَإِذَا أَوْجَبُوهَا بَطُلَ ذَلِكَ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} قَالَ: «الرُّكُوبُ وَاللَّبَنُ وَالْوَلَدُ، فَإِذَا سُمِّيَتْ بَدَنَةً , أَوْ هَدْيًا ذَهَبَ كُلُّهُ»
وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ: الشَّعَائِرُ الْبُدْنُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {لَكُمْ فِيهَا} مِنْ ذِكْرِ الشَّعَائِرِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} لَكُمْ فِي الشَّعَائِرِ الَّتِي تُعَظِّمُونَهَا لِلَّهِ مَنَافِعُ بَعْدَ اتِّخَاذِكُمُوهَا لِلَّهِ بُدْنًا أَوْ هَدَايَا، بِأَنْ تَرْكَبُوا ظُهُورَهَا إِذَا احْتَجْتُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَتَشْرَبُوا أَلْبَانَهَا إِنِ اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهَا.
قَالُوا: وَالْأَجَلُ الْمُسَمَّى الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} إِلَى أَنْ تُنْحَرَ.