واختلف علماء السلف في تعيين الذبيح فقال جماعة من الصحابة والتابعين: هو إسماعيل وممن قاله أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة وعبد الله بن عُمر وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان.
وقاله من التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد وعلقمة والكلبي والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القُرظي وأحمد بن حنبل.
وقال جماعة: هو إسحاق ونقل عن ابن مسعود والعباس بن عبد المطلب وجابر بن عبد الله وعمر وعلي من الصحابة ، وقاله جمع من التابعين منهم: عطاء وعكرمة والزهري والسّدِّي.
وفي"جامع العتبية"أنه قول مالك بن أنس.
فإن قلت: فعلامَ جنحتَ إليه واستَدللت عليه من اختيارك أن يكون لابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق ، فكيف تتأول ما وقع في"سفر التكوين"؟
قلت: أرى أن ما في"سفر التكوين"نُقِل مشتّتاً غير مرتبة فيه أزمان الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم ، فلما نقَل النقلةُ التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر ، سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم عليه السلام وأدمج فيها ما اعتقده بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق.
ويدل لذلك قول الإِصحاح الثاني والعشرين"وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك وحيدك"الخ ؛ فهل المراد من قولها: بعد هذه الأمور ، بعد جميع الأمور المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم.
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108)
القول في {وتركنا عليه في الآخرينَ} نظير الكلام المتقدم في ذكر نوح عليه السلام في هذه السورة وإعادته هنا تأكيد لما سبق لزيادة التنويه بإبراهيم عليه السلام.
ويَرد أن يقال: لماذا لم تؤكد جملة {كذلك نَجزي المحسنين} بـ (إنَّ) هنا وأكدت مع ذكر نوح وفيما تقدم من ذكر إبراهيم.