ثم يحتمل قوله: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ...) ، إلى آخر ما ذكر وجهين:
أحدهما: أي: هب لنا من أزواجنا وذريتنا ما تقر به أعيننا.
أو هب لنا من أزواجنا من الولد والذرية ما تقر به أعيننا على ما سأل زكريا - عليه السلام - حيث قال: (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) .
ثم فيه دلالة أن الولد هبة اللَّه لهم وعطاء لهم؛ ولذلك قال: (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) ، (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم - واللَّه أعلم - نعني: ما صار الولد هبة من اللَّه.
وقوله: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ(101)
يصير حليمًا إذا بلغ مبلغ الامتحان بالأعمال والأمر والنهي، أي: بشرناه بغلام حليم يحلم فيما امتحن إذا بلغ مبلغًا يمتحن فيه، قال قتادة:"إن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لم يذكر أحدا ولا وصفه بالحلم سوى إبراهيم وولده الذي بشر به"، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ...(102)
أي: بلغ بحيث يقدر أن يسعى معه إلى حيث أمر هو أن يسعى ويمشي معه وهي الهجرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) ، أي: بلغ بحيث يعمل ويمتحن عندنا.
قال له: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) .
وترى بالنصب والرفع جميعًا - فيه دلالة أن رؤيا الأنبياء والرسل - عليهم السلام - على حق تخرج كالأمر المصرح؛ ألا ترى أنه لما قال له: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) ، وقد عرف حرمة ذبع بني آدم وقتلهم قال له ولده: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ولو لم يكن أمرًا لم يقل: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ، ولا قال له إبراهيم: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) ، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم الذي لا يسع الإقدام عليه، واللَّه أعلم.