قوله: (أو إيحاء مثل إيحائها) أي كَذَلكَ مَفْعُول مطلق لقوله يوحي مَجَازًا لكونه قائمًا
مقامه لكونه صفة للمَفْعُول المطلق الْمَحْذُوف وهذا مراد من قال يعني أنها واقعة موقع
الْمَفْعُول والمشار إليه حِينَئِذٍ الإيحاء لا الْمَعَاني كما في الوجه الأول. وقيل كلاهما تقدير
الْمَفْعُول به، وإنَّمَا الاخْتلَاف في تعيين المشار إليه وهذا لا يلائم تقرير الْمُصَنّف؛ إذ الإيحاء
مصدر لا حسن لجعله مَفْعُولًا به هنا إلا أن يراد به الموحى فـ [حِينَئِذٍ] يرجع إلَى الوجه الأول.
قوله: (أوحى الله إليك وإلى الرسل من قبلك) عبر بالْمَاضي لقوله:(وإلى الَّذينَ
من قبلك)فإنه اقتضى الْمَاضي وإن لم يقتضِ قوله إليك قوله:(وإلى
الرسل)إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بقوله: (وإلى الَّذينَ من قبلك الرسل) لأنه قد يقال لغير
النَّبيّ أوحى إليه كما يقال أنزل إليه. قوله قبلك تنبيه عَلَى أن من صلة.
قوله:(وإنما ذكر بلفظ الْمُضَارِع عَلَى حكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار
الوحي وأن إيحاء مثله عادته)وإنَّمَا ذكر الخ. جواب سؤال [منشأُ] التَّعْبير بـ أوحى قوله للدلالة
والمُتَعَارَف كون هذا علة مستقلة للتعبير بالْمُضَارِع في مَوْضع الْمَاضي. قال الْمُصَنّف في
قَوْلُه تَعَالَى: (وفريقًا تقتلون) وإنَّمَا ذكر بلفظ الْمُضَارِع عَلَى حكاية الحال
الْمَاضية اسْتحْضَارًا لها في النفوس أو للدلالة عَلَى أنكم بعد فيه وله نظائر كثيرة في كلامه
وفي كلام غيره فلا يعرف وجه ما ذكر هنا، فالأولى عَلَى استحقار الحال الْمَاضية لغرابته
وللدلالة عَلَى كمال لطفه أو للدلالة عَلَى اسْتمْرَار الوحي والاعتذار بأن الْمُرَاد اسْتمْرَاره في
الأزمنة الْمَاضية، ولما كان الْمَاضي لا دلالة له عَلَى الاسْتمْرَار عدل عنه للدلالة عَلَى ما قصد
منه وإليه الإشَارَة بقوله كان إيحاء مثله عادته ضعيف؛ لأن قوله الْمَاضي لا دلالة له عَلَى
الاسْتمْرَار إن أراد الدلالة القطعية فكَذَلكَ الْمُضَارِع لا دلالة له عَلَى الاسْتمْرَار قطعًا وإن
أراد الدلالة الظنية فله دلالة عليه بهذا الْمَعْنَى. قال الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى:(كنتم خير
أمة)دل عَلَى خيريتهم فيما معنى ولم يدل عَلَى انقطاع [طرأ] كقوله
تَعَالَى (وكان الله غفورًا رحيمًا) فالْمَاضي قد يدل عَلَى الاسْتمْرَار في
الأزمنة الثلاثة بمعونة القرينة فصلًا عن الاسْتمْرَار في الأزمنة الْمَاضية، وأَيْضًا لا معنى لدلالة
الْمُضَارِع عَلَى الاسْتمْرَار في الزمان الْمَاضي والظَّاهر أن كلمة (أو) ساقطة سهوا من قلم
الناسخ. وقيل إن حرف العطف مَحْذُوف مع بقاء الْمَعْطُوف فإنه جائز ولو شاذًا.
قوله:(وقرأ ابن كثير يُوحَى بالفتح على أن كذلك مبتدأ ويُوحَى خبره المسند إلى
ضميره، أو مصدر ويُوحِي مسند إلى إليك، واللَّهُ مرتفع بما دل عليه يُوحِي)عَلَى أن كَذَلكَ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: والله مرتفع بما دل عليه أي بما دل عليه يوحَى كان قائلًا قال من يوحي فقيل الله كرفع
رجال في قَوْله تَعَالَى: (يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36) رِجَالٌ. عَلَى قراءة يُسَبَّحُ مبنيًّا
للمَفْعُول. وفي الكَشَّاف: كأن قائلًا قال من الموحي؟ فقيل الله. قال الطيبي رحمه الله: لكن قلت في أمثال
هذا السؤال إنما يعتدون الْفَاعل مع الْفعْل ليقع المرفوع فاعلًا لفعل مَحْذُوف كما فعل أبو البقاء
وقال والله فاعل لفعل مَحْذُوف كأنه قيل: من يوحي فقيل الله وقد [رواه] في قوله: (يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا