"وهذا صحيح لا إشكال فيه ، كما أن آدم أوّل نبيّ بغير إشكال ؛ لأن آدم لم يكن معه إلا نبوّة ، ولم تفرض له الفرائض ولا شُرعت له المحارم ، وإنما كان تنبيهاً على بعض الأمور واقتصاراً على ضرورات المعاش ، وأخذاً بوظائف الحياة والبقاء ؛ واستقرّ المَدَى إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات ، ووظّف عليه الواجبات وأوضح له الآداب في الديانات ، ولم يزل ذلك يتأكّد بالرسل ويتناصر بالأنبياء صلوات الله عليهم واحداً بعد واحد وشريعة إثر شريعة ، حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فكان المعنى أوصيناك يا محمد ونوحاً ديناً واحداً ؛ يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة ، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج ، والتقرّب إلى الله بصالح الأعمال ، والزَّلَف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه ، والصدق والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة وصلة الرحم ، وتحريم الكفر والقتل والزنى والأذاية للخلق كيفما تصرفت ، والاعتداء على الحيوان كيفما دار ، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات ؛ فهذا كله مشروع دِيناً واحداً وملة متحّدة ، لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم ؛ وذلك قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} أي اجعلوه قائماً ؛ يريد دائماً مستمراً محفوظاً مستقراً من غير خلاف فيه ولا اضطراب ؛ فمن الخلق مَن وفّى بذلك ومنهم من نكث:"
{فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ} [الفتح: 10] .
واختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم.
والله أعلم.
قال مجاهد: لم يبعث الله نبيًّا قطُّ إلا وصّاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار للّه بالطاعة ، فذلك دينه الذي شرع لهم ؛ وقاله الوالِبِيّ عن ابن عباس ، وهو قول الكلبيّ.