وجماله سُبْحَانَهُ على أَربع مَرَاتِب جمال الذَّات وجمال الصِّفَات وجمال الْأَفْعَال وجمال الْأَسْمَاء فأسماؤه كلهَا حسنى وَصِفَاته كلهَا صِفَات كَمَال وأفعاله كلهَا حِكْمَة ومصلحة وَعدل وَرَحْمَة وَأما جمال الذَّات وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأمر لَا يُدْرِكهُ سواهُ وَلَا يُعلمهُ غَيره وَلَيْسَ عِنْد المخلوقين مِنْهُ إِلَّا تعريفات تعرّف بهَا إِلَى من أكْرمه من عباده فَإِن ذَلِك الْجمال مصون عَن الأغيار مَحْجُوب بستر الرِّدَاء والإزار كَمَا قَالَ رَسُوله فِيمَا يحْكى عَنهُ الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي وَلما كَانَت الْكِبْرِيَاء أعظم وأوسع كَانَت أَحَق باسم الرِّدَاء فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ الْكَبِير المتعال فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْعلي الْعَظِيم قَالَ ابْن عَبَّاس حجب الذَّات بِالصِّفَاتِ وحجب الصِّفَات بالأفعال فَمَا ظَنك بِجَمَال حجب بأوصاف الْكَمَال وَستر بنعوت العظمة والجلال.
وَمن هَذَا الْمَعْنى يفهم بعض مَعَاني جمال ذَاته فَإِن العَبْد يترقّى من معرفَة الْأَفْعَال إِلَى معرفَة الصِّفَات وَمن معرفَة الصِّفَات إِلَى معرفَة الذَّات فَإِذا شَاهد شَيْئا من جمال الْأَفْعَال اسْتدلَّ بِهِ على جمال الصِّفَات ثمَّ استبدل بِجَمَال الصِّفَات على جمال الذَّات وَمن هَاهُنَا يتَبَيَّن أَنه سُبْحَانَهُ لَهُ الْحَمد كُله وَأَن أحدا من خلقه لَا يحصي ثَنَاء عَلَيْهِ بل هُوَ كَمَا أثنى على نَفسه وَأَنه يسْتَحق أَن يعبد لذاته وَيُحب لذاته ويشكر لذاته وَأَنه سُبْحَانَهُ يحب نَفسه ويثني على نَفسه ويحمد نَفسه وَأَن محبته لنَفسِهِ وحمده لنَفسِهِ وثناءه وعَلى نَفسه وتوحيده لنَفسِهِ هُوَ فِي الْحَقِيقَة الْحَمد وَالثنَاء وَالْحب والتوحيد فَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا أثنى على نَفسه وَفَوق مَا يثني بِهِ عَلَيْهِ خلقه وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا يحب كَمَا يحب ذَاته يحب صِفَاته وأفعاله فَكل أَفعاله حسن مَحْبُوب وَإِن كَانَ فِي مفعولاته مَا يبغضه ويكرهه فَلَيْسَ فِي أَفعاله مَا هُوَ مَكْرُوه مسخوط.