ثم أبانت أسباب الاختلاف في الأمة المسلمة وطريق علاجها بتحكيم كتاب الله، وأوضحت ضرورة اختلاف الشرائع الإلهية الموحى بها في الجزئيات حسبما يتفق مع مصلحة البشر، مع اتفاقها في الأصول الاعتقادية والإصلاحية والعبادات، ثم نددت بالمختلفين في الأديان وجعلت خلافهم بغيا وعدوانا وظلما، فالدين واحد في أصله، ورسالات الأنبياء تكمل بعضها بعضا، وبينها قدر مشترك هو الإسلام، أي الانقياد والخضوع لله عز وجل: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ... الآية [13] .
ثم فنّدت حجة المنكرين لرسالة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم بعد أن تبين صدقها وصحتها، وهددت باقتراب الساعة التي يستعجل بها المشركون ويشفق منها المؤمنون، وقرنت التفنيد والتهديد بتهويل العذاب الشديد المنتظر يوم القيامة، وبوصف نعيم الجنان وروضاتها لتبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات.
وتحدثت عن مبدأين ضروريّي المعرفة لكل إنسان في الدنيا: وهما أن الرزق بيد الله ينزله بحسب المصلحة، وأن العامل للدنيا وحدها يحرم خير الآخرة، والعامل للآخرة يمنح خير الدنيا معها.
ثم أقامت الأدلة على وجود الله من خلق السموات والأرض وما فيهما والتصرف بهما والقدرة عليهما، وإجراء السفن في البحار، فكل ذلك أثر صنع الله.
وأعقبت ذلك بالإشادة بمن يعمل للآخرة، ويجتنب الفواحش، ويعفو عند المقدرة، ويستحب لربه، ويقيم الصلاة، ويستشير أهل الخبرة والمعرفة، وينتصر من أهل البغي والعدوان، ويؤثّر العفو والصفح والصلح، ويقتصر على الجزاء بالمثل، ويصبر في المحنة.
وأردفت ذلك ببيان أهوال النار وخسارة أهلها، وفقدانها النصر، وتمنيهم العودة إلى الدنيا حين رؤية العذاب، وهم أذلة صاغرون. وناسب هذا دعوة الناس جميعا إلى الاستجابة لدعوة الله والانقياد لحكمه وشرعه قبل المفاجأة بيوم القيامة الذي لا شك فيه ولا مرد له: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ... [47] .
والاستجابة تكون تلقائية اختيارية لا قهر فيها، وما على الرسول إلا البلاغ.