الوجه الثاني: أنَّ الطائفة الأخرى تمنع المقدمة الثانية، فيقولون: لا نسلم أن العرش وحملته إذا كانوا حاملين لله لزم أن يكون الله محتاجًا إليهم، فإن الله هو الذي يخلقهم ويخلق قواهم وأفعالهم فلا يحملونه إلا بقدرته ومعونته، كما لا يفعلون شيئًا من الأفعال إلا بذلك، فلا يحمل في الحقيقة نفسه إلا نفسه، كما أنه سبحانه إذا دعاه عباده فأجابهم وهو سبحانه الذي خلقهم وخلق دعاءهم وأفعالهم؛ فهو المجيب لما خلقه وأعان عليه من الأفعال، وكذلك إذا فرح بتوبة التائب من عباده، أو غضب من معاصيهم، وغير ذلك مما فيه إثبات نوع تحول عن أفعال عباده، فإن هذا يقوله كثير من أهل الكلام مع موافقة جمهور أهل الحديث وغيرهم فيه مقامان مشكلان:
أحدهما: مسألة حلول الحوادث.
والثانية: تأثير المخلوق فيه.
وجواب المسألة الأولى مذكور في غير هذا الموضع.
وجواب السؤال الثاني:
أنه لا خالق، ولا بارئ، ولا مصور، ولا مدبر لأمر الأرض والسماء إلا هو فلا حول ولا قوة إلا به، وكل ما في عباده من حول وقوة فبه هو سبحانه فيعود الأمر إلى أنه هو المتصرف بنفسه سبحانه وتعالى الغني عما سواه.
وهؤلاء يقولون: هذا الذي ذكرناه أكمل في صفة الغني عما سواه، والقدرة على كل شيء مما يقوله النفاة، فإن أولئك يقولون: لا يقدر أن يتصرف بنفسه، ولا يقدر أن ينزل ولا يصعد ولا يأتي ولا يجيء، ولا يقدر أن يخلق في عباده قوة يحملون بها عرشه الذي هو عليه، ويكونون إنما حملوه وهو فوق عرشه بقوته.
ولولا ذلك ما استقل به العرش ولا الحملة ولا السماوات ولا الأرض ولا من فيهن، ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته؛ فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، وكيف تنكر أيها النفاج أن عرشه يقله والعرش أكبر من السماوات السبع والأرضين السبع؟!!
ولو كان العرش في السماوات والأرضيين ما وسعته؛ ولكنه فوق السماء السابعة فكيف تنكر هذا؟! وأنت تزعم أن الله في الأرض في جميع أمكنتها؟!!، والأرض دون العرش في العظمة والسعة، فكيف تقله الأرض في دعواك ولا يقله العرش الذي هو أعظم منها وأوسع؟!!