ثم أخبر عن معاملة أهل المكالمة بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} [الشورى: 51] يشير إلى أن البشر متى كان محجوباً بصفات البشرية، موصوفاً بأوصاف الخلقية الظلمانية الإنسانية لا يكون مستعداً أن يكلمه الله إلا بالإلهام والوحي في النوم أو اليقظة، {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51] بالكلام الصريح {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} [الشورى: 51] من الملائكة، {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ} [الشورى: 51] إنه علي بعلو القدم لا يجانسه محدث، {حَكِيمٌ} [الشورى: 51] فيما يساعد البشر بإفناء أنانيته بهويته، فإذا فنيت البشرية وارتفعت الحجب وتبدلت كينونيته بكينونية الحق حتى به يسمع وبه يبصر وبه ينطق، فيكلمه الحق به شفاها، وبه يسمع العبد كلام كفاحا كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في سر {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] .
وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] وهو نور ينعكس في مرآة كينونيتك بتجلي كينونيتنا لمرآة كينونيتك؛ ليكون بنا حبيباً فتحب جمالنا بمحبتنا، ونحب جمالك بمحبتك التي هي عكس محبتنا في مرآتك فإذا أمعنت النظر وجدت الناظر والمنظور، والمحب والمحبوب واحداً كما قيل:
أَنا مَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا ... نَحنُ روحانِ حَلَلْنا بَدَنا