لذلك قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن، نعم لأن علياً رضي الله عنه اشتُهر بالعلم والفتوى، لأنه دخل الإسلام وهو صبيّ، وشرب من معين النبوة منذ صغره، فكانت ثقافته من بدايتها ثقافة إسلامية، فكأن الخميرة الثقافية عنده منذ صِغَره إسلامية، في حين كان غيره أصحاب ثقافة جاهلية.
ومن فقه الإمام علي وإلمامه بمسائل الشرع لما انتقل سيدنا رسول الله إلى ربه عز وجل، اجتمع المهاجرون والأنصار في السقيفة، ودارت بينهما مناقشات كُلٌّ يريد أنْ تكون له الخلافة بعد رسول الله، وتطلَّع الأنصار إلى ذلك، ثم قالوا: منا أمير ومنكم أمير.
فلما بلغ ذلك سيدنا علياً قال: لم تُحسنوا حجاجهم. قولوا لهم أي للأنصار: ألم تسمعوا قول رسول الله"إذا ملكتم فاستوصوا بالأنصار خيراً"إذن لو كانت الإمارة فيهم لم تكُنْ الوصية بهم.
ومن المسائل الطريفة التي كانت بين علي وعمر أن علياً دخل عليه فوجده مُغْضباً، فقال: ما أغضبكَ يا أمير المؤمنين؟ قال: سألتُ حذيفة: كيف أصبحتَ يا حذيفة؟ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فضحك عليّ وقال: صدق يا أمير المؤمنين، فقال: أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: نعم، هو يعني: أصبح يحب ماله وولده، وقرأ:
{إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ..} [التغابن: 15] .
ويكره الحق، يعني: الموت، ومَنْ منَّا يُحبه يا أمير المؤمنين، ويصلي بغير وضوء، يعني: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
وله في الأرض ما ليس لله في السماء. أي: له زوجة وولد. والعجيب أنْ نسمع في زماننا مَنْ يُقلل من شأن هؤلاء، بل يريد أنْ يلغي شخصيات أبي بكر وعمر وعلي من تاريخنا.
ثم نلاحظ أيضاً في هذه الآية أن الحق سبحانه قال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ..} [الأحقاف: 15] أي: كارهة أو على مشقة، وفي الآية الأخرى:
{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ ..} [لقمان: 14] .
والوهَن أي الضعف نتيجة الحمل والولادة، أما الكراهية لهذه المسألة فتأتي من أن النساء لها طبائع مختلفة، فمنهن مَنْ تحب هذه العملية، ومنهن مَنْ تكرهها لكن تطيع زوجها وهي كارهة ثم تتحملّ بعد ذلك مشاقّ الحمل والوحم ثم الآم الوضع، وبعد الولادة تنشغل بالمولود وتحنو عليه.