فلما تولى الخلافة زهد في هذا النعيم وعاش حياة الزهد والتقشف، وارتدى الثياب الخشنة، فلما سألوه عن ذلك قال: والله لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعاماً وأحسنكم ثياباً، لكني أستبقي طيباتي للآخرة، وإن لي نفساً توَّاقة - يعني: عندهما طموح للأحسن - تاقتْ للإمارة، فلما نلْتها تاقتْ للخلافة، فلما نلتها تاقت للجنة.
لذلك رُويَ عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالتْ: كان يمرُّ الهلال ثم يمر الهلال، ثم يمر الهلال. يعني: ثلاثة أشهر ما يُوقد في بيت محمد نار. قيل: فما طعامكم؟ قالت: الأسودان الماء والتمر.
إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا. إذن: كان بيت سيدنا رسول الله نموذجاً ومثالاً وأُسْوة للفقراء.
وقوله {فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف: 20] بالله ساعة تفكر في معنى كلمة الدنيا، هل تجد لها وصفا أدنى وأقل من هذا؟ وساعة تسمع الدنيا لا بد أنْ تتذكر المقابل، وأن هناك حياة مقابلة تُوصف بأنها العليا، وهي التي فيها الجزاء.
{فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ..} [الأحقاف: 20] أي: يوم القيامة تُجزون على أعمالكم عذاب الهون. يعني: الهوان والذلة، لأنكم استكبرتم في الدنيا عن قبول الحق.
ومن الهُون هذه أُخذِتْ كلمة (الهون) ، وهو الآلة التي ندقُّ فيها الأشياء في المطبخ، فهو آلة الطحن والدقّ وسحق المادة التي تُوضع فيه.
فكأن العذاب الذي سيلاقونه سيسحق كبرياءهم ويجعلهم أذلةَ مُهانين {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ..} [الأحقاف: 20] يعني: بسبب استكباركم وتعاليكم عن قبول الحق {فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ..} [الأحقاف: 20] دل على أن هناك استكباراً بالحق، وهو أنْ تتكبَّر على المتكبر؛ لذلك قيل: الكبر على أهل الكبر صدقة.
لذلك كان سيدنا حمزة في الحرب يرتدي عصابةَ الموت، وهي عصابة حمراء ويرفع سيفه، ثم يسير بين الصفوف يتبختر مزْهُواً بنفسه، فنظر إليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذه مِشْية يبغضها الله إلا في هذا الموقف، وقال: رحم الله أمرءاً أبدى لهم من نفسه قوة.
ونفهم من آيات القرآن الكريم أن المؤمن مِنْ وصفه في القرآن أنه غير مطبوع على طبع واحد ولا قالب واحد، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه الطبع المناسب للموقف.
واقرأ: