الضمير في عليها يرجع إلى الأرض التي وضعها الله للأنام، والمراد من وجه الله: ذاته - جل وعلا - فإضافة لفظ"وجه"إلى لفظ"رب"إضافة بيانية، فكأنه قيل: ويبقى ربك، واستعمال الوجه بمعنى الذات مجاز مرسل، ومثل ذلك شائع في لغة العرب، وهذا هو تفسير الخلف، مَنْعًا لاعتقاد أن لله وجهًا يشبه وجه الإنسان، وأنه جزءٌ من ذاته، فإن ذلك كفر، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
أما السلف فيقولون: إن لله وجهًا لا كوجه الإنسان، فالمماثلة للخالق ممنوعة، وذهب بعض العلماء إلى تأويلات أخرى، وحسب القارئ ما تقدم.
وجلالُ الله عَظَمته، وإكرامه - تعالى - هو تنزيهه عمَّا لا يليق به من الشرك وسواه من صفات النقص، كما تقول: أنا أكرمك عن كذا أي: أنزهك عنه، والله - تعالى - متصف بهما، سواءٌ أجلَّه ونزهه الناس، أم لم يفعلوا ذلك.
والله - تعالى - يعدد في هذه السورة آلاءَه ونعمه، فما وجه ذكر الفناء للخلق في آلائه - تعالى -؟ والجواب: أن الفناءَ باب للبقاء والحياة الأبدية في جنة عرضها السماوات
والأرض، وقال الطيبى: المراد من قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ملزوم معناها؛ لأنها كناية عن مجيء وقت الجزاء، وهو من أَجَلِّ النعم على المؤمنين، ولذلك خص الجلال والإكرام بالذكر، لأنهما يدلان على الإثابة والعقاب، تبشيرًا للمؤمنين، وتحذيرًا للعباد من ارتكاب ما يترتب عليه العقاب، ولذلك رتب عليها بالقاء قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} .
29 -30 - {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :