تحدث الله عزّ وجل عن أنه رب المشارق والمغارب، وتحدث عن أنه رب المشرق والمغرب، وهاهنا ذكر أنه رب المشرقين ورب المغربين، لأن الإنسان يستطيع أن يدرك تلقائيا مشرقين ومغربين، فحيث ما تشرق الشمس عليه يكون غروب على غيره، وحيث ما تغرب الشمس عنه يكون شروق على غيره وغروب عليه، والتذكير بأنه رب المشرقين ورب المغربين تذكير بنعمة الليل والنهار اللذين هما من أجل النعم.
قال ابن كثير: ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا الله وتتقياه
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي: أرسلهما قال ابن كثير: والمراد بقوله البحرين: الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس. أقول: وفي قوله تعالى: مَرَجَ يوجد معنى الجعل مع الإرسال، ومن ثم قال: يَلْتَقِيانِ أي: يلتقي البحر المالح
بالبحر العذب، وكأن مجموع المياه العذبة في العالم تشكل بحرا، وهذا البحر مرجعه في النهاية إلى البحر الملح
بَيْنَهُما أي: بين البحر العذب والملح بَرْزَخٌ أي:
حاجز لا يَبْغِيانِ أي لا يتجاوزان حديهما، قال ابن كثير: (أي وجعل بينهما برزخا وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيفسد كل واحد منهما الآخر، ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه، أقول: ولعل الحاجز بينهما هو عالم الأسباب الذي يجعل ماء البحر يتبخر وحده بلا ملح، وحيلولة اليابسة دون امتداد ماء البحر، ووجود قوانين المد والجزر التي لها صلة بمكان القمر من مجموع الأرض، فالبحران يلتقيان في حال، وبينهما برزخ في حال، وفي ذلك كله من المصالح لخلق الله الكثير، فلو كان البحر العذب لا يلتقي مع البحر المالح لجف المالح على المدى البعيد، ولأنتن البحر العذب وغمر اليابسة في العالم، ولتعذرت الحياة على الأرض،
ومن ثم قال تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا وتتقيا،