فهرس الكتاب
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى وهو التزام العدل تأكيدا صريحا فقال: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ.
وقوله: وَأَقِيمُوا من الإقامة، والمراد به الإتيان بالشيء على أكمل صورة، ومنه قوله - تعالى -: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ... أي: أدوها كاملة الأركان والسنن والخشوع.
والقسط: العدل، يقال: أقسط فلان في حكمه، إذا عدل، والباء للمصاحبة.
وقوله: وَلا تُخْسِرُوا من الإخسار بمعنى النقص والبخس والجور.
والمعنى: شرع الله العدل، ونهاكم عن تجاوزه، وأمركم أن تقيموا حياتكم عليه في أوزانكم التي تتعاملون بها فيما بينكم، وفي كل أحوالكم، فاحذروا أن تخالفوا أمره ...
وكرر - سبحانه - لفظ «الميزان» للتنبيه على شدة عناية الله - تعالى - بإقامة العدل بين الناس في معاملاتهم، وفي سائر شئونهم، إذ بدونه لا يستقيم لهم حال، ولا يصلح لهم بال، ولا يستقر لهم قرار ...
ثم انتقلت السورة الكريمة، إلى بيان جانب من مظاهر نعمه الأرضية، فقال - تعالى -:
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ.
والمراد بالأنام: الخلائق المختلفون في ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم، والذين يعيشون في شتى أقطارها وفجاجها ... وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه.
أي: والأرض «وضعها» أي: أوجدها موضوعة على هذا النظام البديع، من أجل منفعة الناس جميعا، لأن إيجادها على تلك الصورة الممهدة المفروشة .. جعلهم ينتفعون بما فيها من كنوز وخيرات، ويتقلبون عليها من مكان إلى آخر .. وصدق الله إذ يقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ...
وقوله - سبحانه -: فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ. وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ، بيان لبعض ما اشتملت عليه هذه الأرض من خيرات.
والفاكهة: اسم لما يأكله الإنسان من ثمار على سبيل التفكه والتلذذ، لا على سبيل القوت الدائم، مأخوذة من قولهم فكه فلان - كفرح - إذا تلذذت نفسه بالشيء .. والأكمام: جمع كمّ - بكسر الكاف - ، وهو الطلع قبل أن تخرج منه الثمار.