فإن قيل فكيف قال في ذكر النساء فيهن في الموضعين ولما ذكر غيرهن قال فيهما
قيل لما ذكر الفرش قال بعدها {فيهن خيرات حسان}
ثم أعاده في الجنتين الأخريين بهذا اللفظ ليتشاكل اللفظ والمعنى والله أعلم.
(فصل: في أن مؤمني الجن في الجنة)
قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) }
وذكر ما في الجنتين إلى قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَان}
وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من وجوه:
أحدها: أن"منْ"صيغ العموم، فتتناول كل خائف.
الثاني: أنه رتب الجزاءَ المذكور على خوف مقامه، فدل على استحقاقه به. وقد اختلف في إضافة المقام إلى الرب هل هي من إضافة المصدر إلى فاعله، أو إلى مفعوله؟ على قولين: أحدهما: أن المعنى ولمن خاف مقامه بين يدي ربه، فعلى هذا هو من إضافة المصدر إلى المفعول.
والثاني: أن المعنى ولمن خاف مقام ربه عليه واطلاعه عليه، فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
وكذلك القولان في قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوِى} [النازعات: 40] ، ونظيره قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] ، فهذه ثلاثة مواضع.
وقد يقال: الراجح هو الأول، وأن المعنى خاف مقامه بين يدي ربه لوجوه:
أحدها: أن طريقة القرآن في التخويف أن يخوفهم بالله وباليوم الآخر، فإذا خوفهم به علق الخوف به لا بقيامه عليهم كقوله تعالى: {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُون} [آل عمران: 175] ، وقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمنْ خَشِى رَبَّهُ} [البينة: 8] ، وقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبّهُم مِن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] ، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12] ، ففى هذا كله لم يذكر خشية مقامه عليهم، وإنما مدحهم بخوفه وخشيته.
وقد يذكر الخوف متعلقاً بعذابه كقوله تعالى: {يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] .
وأما خوف مقامه عليهم فهو وإن كان كذلك فليس طريقة القرآن.
الثاني: أن هذا نظير قوله تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 51] ، فخوفهم أن يحشروا إليه هو خوفهم من مقامهم بين يديه، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.