ولما كان كأنه قيل كيف يعلمه وهو صفة من صفاته ، ولمن علمه قال تعالى مستأنفاً أو معللاً {خلق الإنسان} أي: الجنس بأن قدره وأوجده على هذا الشكل المعروف والتركيب الموصوف منفصلاً عن جميع الجمادات ، وأصله منها ثم عن سائر الناميات ، ثم عن غيره من الحيوانات ، وخلقه له دليل على خلقه لكل شيء موجود {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر: (
وقيل علم القرآن جعله علامة.
وآية {علمه البيان} أي القوّة الناطقة وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية ، والحكم على الحاضر والغائب بقياسه على الحاضر ، وغير ذلك مما أودعه له سبحانه مع تعبيره عما أدركه مما هو غائب في ضميره وإفهامه لغيره: تارة بالقول وتارة بالفعل ، نطقاً وكتابة وإشارة وغيرها ، فصار بذلك ذا قدرة في نفسه والتكميل لغيره فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن ، وقال ابن عباس وقتادة والحسن: يعني آدم عليه السلام علم أسماء كل شيء ، وقيل: علمه اللغات كلها وكان آدم يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية ، وعن ابن عباس أيضاً وابن كيسان: المراد بالإنسان ههنا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد من البيان: الحلال والحرام والهدى من الضلال ، وقيل: ما كان وما يكون لأنه بين عن الأولين والآخرين ، وعن يوم الدين ، وقال الضحاك: البيان: الخير والشرّ ، وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه وما يضره. وقال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقيل: بيان الكتابة والخط بالقلم نظيره قوله تعالى: {علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} .
فإن قيل: لِمَ قدّم تعليم القرآن للإنسان على خلقه وهو متأخر عنه في الوجود ؟
أجيب: بأنّ التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه.
فإن قيل: كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان ولم يصرح بهما في علم القرآن ؟