ودان من الدنو. وهو القرب. أصله: دانوا، مثل: غازوا، أي: ما يجتنى من أشجارها من الخمار، قربب يناله القائم والقاعد والمضطجع. قال ابن عباس رضي الله عنه: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائمًا، وإن شاء قاعدًا، وإن شاء مضطجعًا. وقال قتادة: لا يرد يده بُعْدٌ ولا شوك.
وقرأ الجمهور: {جَنَى} بفتح الجيم. وقرأ عيسى بن عمر بكسرها. وقرأ عيسى أيضًا بكسر النون مع فتح الجيم، كأنه أمال النون، وإن كانت الألف قد حذفت في اللفظ، كما أمال أبو عمرو {حتى نرى الله} . يقول الفقير: إنَّ البعد إنما ينشأ من كثافة الجسم، ولا كثافة في الجنة، وأهلها أجسام لطيفة نورانية في صورة الأرواح. وأيضًا إن الطاعات في الدنيا كانت في مشيئة المطيع، فثمراتها أيضًا في الجنة تكون كذلك. فيتناولها بلا مشقة، بل لا تناول أصلًا فإن سهولة التناول تصوير لسهولة الأكل، فتلك الثمار تقع في الفم بلا أخذ على ما قاله البعض.
والمعنى: أي وثمر الجنتين قريب، يناله القاعد والقائم في وقت واحد، ومكان واحد. فإن العجائب كلها من خواص الجنة، فكانت أشجارها دائرة عليهم سائرة إليهم، وهم ساكنون على خلاف ما كان في جنات الدنيا. فإن الإنسان فيها متحرك، ومطلوبه ساكن. والولي قد تصير الدنيا له أنموذجًا من الجنة، فإنه يكون ساكنًا في بيته، ويأتيه الرزق متحركًا إليه، دائرًا حواليه.
55 - {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) } من هذه الآلاء اللذيذة الباقية، أبقدرة الله تعالى على ثني الأغصان، وتقريب الثمار تنكران أم بغيرها؟
56 -ثم ذكر أوصاف النساء اللواتي يمتعون بهن، فقال: {فِيهِنَّ} ؛ أي: في تلك الجنان المدلول عليها بقوله: {جَنَّتَانِ} . لما عرفت أنهما لكل خائفين من الثقلين، أو لكل خائف حسب تعدد عمله. وقد اعتبر الجمعية في قوله: {مُتَّكِئِينَ} إذ كل فرد فرد له جنتان. فصح أنها جنان كثيرة، وإن كانت الجنتان. أريد بهما حقيقة التثنية، وأن لكل جنس من الجن والإنس جنة واحدة، فالضمير يعود على ما اشتملت عليه الجنة من المجالس، والقصور، والمنازل، وقيل: على الفرش؛ أي: فيهن معدات للاستمتاع. وهو قول حسن، قريب المأخذ.