أحدها: أنه نعت الأوليين قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء، ثم قال: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ وهذا ظاهر في شرف المتقدم، وعلوه على الثاني.
وقال هناك ذَواتا أَفْنانٍ وهي الأغصان، أو الفنون في الملاذ: وقال هاهنا مُدْهامَّتانِ أي: سوداوان من شدة الري من الماء .. .
وقال الإمام القرطبي: فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين، كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟.
قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه. إلا أن الخائفين مراتب، فالجنتان الأوليان لأعلى العباد منزلة في الخوف من الله - تعالى - ، والجنتان الأخريان لمن قصرت حاله في الخوف من الله - تعالى - .
وقال الآلوسي: قوله - تعالى -: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ مبتدأ وخبر أي: ومن دون تينك الجنتين في المنزلة والقدر جنتان أخريان والأكثرون على أن الأوليين للسابقين، وهاتين لأصحاب اليمين ...
وقوله: مُدْهامَّتانِ صفة للجنتين .. أي: هما شديدتا الخضرة، والخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد من كثرة الري .. .
ثم فصل - سبحانه - أوصاف هاتين الجنتين فقال: يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
أي:
فوارتان بالماء الذي لا ينقطع منهما من النضخ وهو فوران الماء من العيون مع حسنه وجماله.
فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وعطف - سبحانه - النخل والرمان على الفاكهة مع أنهما منها، لفضلهما، فكأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران.
أو - كما يقول صاحب الكشاف -: لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه، ولذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - إذا حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث ... .
والضمير في قوله - تعالى -: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ يعود إلى الجنات الأربع:
الجنتين المذكورتين في قوله - تعالى -: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ والجنتين المذكورتين هنا في قوله - سبحانه -: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ.
ولفظ خَيْراتٌ صفة لموصوف محذوف. أي: نساء خيرات حسان.
أي: في هذه الجنات نساء فاضلات الأخلاق، حسان الخلق والخلق.